عادات و تقاليد

“التويزة”.. العادة العربية التي حولت العمل الشاق إلى احتفال جماعي

أسماء صبحي – في التراث العربي توجد عادات كثيرة ارتبطت بالكرم أو المناسبات. لكن هناك عادات نشأت من احتياجات الحياة اليومية وتحولت مع الوقت إلى جزء من الهوية الاجتماعية. ومن أكثر هذه العادات تميزًا عادة التويزة؛ وهي من العادات القديمة المعروفة في بعض مناطق المغرب العربي. وتعتمد على اجتماع أهل القرية أو الجماعة لإنجاز عمل كبير لصالح شخص أو أسرة دون أجر مباشر.

ورغم أن الفكرة تبدو اليوم قريبة من العمل التطوعي إلا أنها كانت أكثر عمقًا. لأنها لم تبنى على المبادرات الفردية بل على عرف اجتماعي يعتبر التعاون مسؤولية جماعية.

ما المقصود بـ التويزة؟

التويزة عادة اجتماعية قديمة تعني تعاون مجموعة من الناس لإنجاز مهمة تحتاج إلى جهد كبير خلال وقت قصير. وقد يكون العمل متعلقًا بحصاد الأراضي، أو بناء منزل، أو حفر بئر، أو تجهيز مناسبة كبيرة، أو مساعدة أسرة تعرضت لظرف صعب. وكان أفراد المجتمع يتركون أعمالهم لساعات أو أيام من أجل المشاركة، ثم يعود كل شخص إلى حياته دون انتظار مقابل مادي. والفكرة الأساسية لم تكن تقديم خدمة مجانية بل الحفاظ على توازن المجتمع حتى لا يبقى أحد عاجزًا عن إنجاز ما يحتاج إليه.

كيف كانت تنظم؟

ما يميز هذه العادة أنها لم تعتمد على إدارة رسمية أو سجلات أو دعوات مكتوبة. وكان الاتفاق يتم شفهيًا وتحدد المهمة واليوم ثم يبدأ الناس في الحضور حاملين أدواتهم. وفي بعض المناطق كان صاحب العمل يقدم الطعام والشراب فقط، بينما يعتبر المشاركون أن الجهد الذي يبذلونه واجب اجتماعي.

وفي حالات كثيرة كان من شارك اليوم يحصل لاحقًا على المساعدة نفسها عندما يحتاج إليها. وهكذا تشكل نوع من التبادل الاجتماعي القائم على الثقة.

التويزة والزراعة

ارتبطت التويزة تاريخيًا بالمواسم الزراعية لأن الزراعة تحتاج أحيانًا إلى إنجاز سريع لا يستطيع فرد واحد القيام به. فخلال مواسم الحصاد مثلًا كان التأخير قد يؤدي إلى خسارة المحصول. لذلك كانت التويزة تتحول إلى سباق جماعي لإنهاء العمل. وتوزع المهام بين الرجال والنساء وكبار السن؛ فهناك من يعمل في الأرض، ومن يعد الطعام، ومن ينقل الأدوات. وهذه المشاركة جعلت العمل أقل مشقة وأكثر إنتاجًا.

عندما أصبح العمل مناسبة اجتماعية

لم تكن هذه العادة مجرد إنجاز للمهام ففي كثير من الأحيان تحولت إلى يوم اجتماعي تتخلله الأحاديث والأغاني الشعبية وتبادل الخبرات. وكان الأطفال يشاهدون الكبار ويتعلمون قيمة التعاون، والشباب يتعرفون إلى مسؤوليات المجتمع، بينما يحافظ كبار السن على دورهم في التوجيه. ولهذا يرى باحثون في التراث أن هذه العادة لعبت دورًا في حفظ العلاقات الاجتماعية أكثر مما لعبته في إنجاز الأعمال.

لماذا بدأت هذه العادة في التراجع؟

مع تغير نمط الحياة ودخول المعدات الحديثة وظهور الخدمات التجارية تراجع الاعتماد على العمل الجماعي التقليدي. كما ساهم الانتقال إلى المدن في تقليل الروابط التي كانت تجعل أفراد المجتمع يتحركون تلقائيًا للمساعدة. لكن رغم ذلك ما زالت التويزة حاضرة في بعض المناطق العربية بصور حديثة، سواء في المبادرات التطوعية أو حملات إعادة إعمار المنازل أو التعاون الأهلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى