تاريخ ومزارات

رشوان باشا محفوظ.. ابن الحواتكة الذي صعد من مقاعد الدراسة إلى الوزارة وترك بصمة خالدة في التعليم والصحة

في تاريخ مصر الحديث برزت شخصيات صنعت الفارق في ميادين الإدارة والتنمية والخدمة العامة، وكان من بين هذه الأسماء رشوان باشا محفوظ، أحد أبناء محافظة أسيوط الذين استطاعوا أن يشقوا طريقهم نحو أعلى المناصب الحكومية، وأن يتركوا وراءهم سجلًا حافلًا بالإنجازات التي امتدت آثارها إلى التعليم والصحة والزراعة والإدارة المحلية.

من هو رشوان باشا محفوظ

ولد رشوان باشا محفوظ في الخامس من أبريل عام 1883، وينتمي إلى أسرة عريقة من الحواتكة بمركز منفلوط في محافظة أسيوط، وهو رشوان باشا محفوظ بن حسن بن إبراهيم بن محمد بن محفوظ، ويتصل نسبه بالأمير حمد الجعفري الحسيني.

نشأ الباشا في بيت عرف المكانة الاجتماعية والعمل العام، فوالده محفوظ رشوان بك كان من أعيان الحواتكة بأسيوط، كما شارك في أول مجلس نواب خلال عهد الخديوي إسماعيل، ثم استمر عضوًا في الجمعية العمومية، الأمر الذي وفر لابنه بيئة مشجعة على طلب العلم وخدمة الوطن.

بدأ رشوان باشا رحلته التعليمية في مكتب قرية الحواتكة، حيث تلقى مبادئ القراءة والكتابة والعلوم الدينية، قبل أن ينتقل إلى مدرسة أسيوط الابتدائية، التي حصل منها على الشهادة الابتدائية عام 1895، وبعدها شد الرحال إلى القاهرة ليلتحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية، إحدى أشهر المدارس المصرية في ذلك الوقت، ونال شهادة البكالوريا عام 1899.

ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، فالتحق بمدرسة الحقوق الخديوية وتخرج فيها عام 1903، ليبدأ مباشرة رحلة طويلة في العمل الإداري والحكومي، أثبت خلالها كفاءة لافتة جعلته يتدرج في المناصب بسرعة كبيرة.

استهل حياته العملية في يوليو 1903 بوظيفة معاون إدارة بمركز الجيزة، ثم شغل منصب معاون ضبط بمديرية الجيزة، قبل أن ينتقل مأمورًا للضبط بمديرية الدقهلية في نوفمبر 1905، وفي مارس 1910 تولى مأمورية مركز ميت غمر، ثم عُين وكيلًا لمديرية الفيوم في يناير 1914، قبل أن ينتقل خلال العام نفسه وكيلًا لمديرية الغربية، ثم وكيلًا لمديرية البحيرة عام 1915.

ومع تزايد خبراته وثقة الدولة في قدراته، تم تعيينه مديرًا لأسوان في يونيو 1919، ثم مديرًا لقنا، وبعدها مديرًا للمنوفية عام 1921، ثم مديرًا للغربية عام 1924، واستمر صعوده الوظيفي حتى أصبح وكيلًا لوزارة الزراعة في مارس 1925، ثم وكيلًا لوزارة الداخلية في أبريل 1929، قبل أن يعود مرة أخرى إلى وكالة وزارة الزراعة في العام نفسه، وينهي مسيرته الحكومية بالإحالة إلى المعاش عام 1930.

ولم تقتصر جهوده على المناصب الإدارية فقط، فقد كان رئيسًا للبعثة المصرية وعضوًا بمجلس إدارة الجمعية الزراعية في بعثة السودان، حيث ساهم في دعم التعاون الزراعي والاستفادة من الخبرات المتبادلة بين البلدين.

وخلال فترة عمله في مديرية بني سويف، ترك رشوان باشا بصمات واضحة في قطاع التعليم، إذ عمل على إنشاء عدد كبير من المدارس الأولية بهدف نشر التعليم في مختلف أنحاء المديرية، كما ساهم في تطوير مدرستي ببا والواسطى وتحويلهما إلى مدارس ابتدائية، وهو ما ساعد على توسيع قاعدة التعليم وإتاحة الفرصة أمام أعداد أكبر من الطلاب لاستكمال دراستهم.

كما أولى عناية خاصة بتطوير عاصمة المديرية، فعمل على إنشاء شوارع جديدة وتحسين المرافق العامة، وأنشأ ناديًا للرياضة البدنية وفر متنفسًا حضاريًا للموظفين والأهالي، وأصبح مكانًا يجمع أبناء المجتمع في بيئة مناسبة للأنشطة الاجتماعية والرياضية.

وعندما انتقل إلى إدارة قنا، واصل مسيرة الإنجاز بوتيرة أكبر، خاصة في المجال الصحي، فقد كانت المحافظة تعاني نقصًا في الخدمات الطبية، فبادر إلى جمع التبرعات من الأعيان والمحسنين لإنشاء مستشفى للرمد في مدينة قنا، التي كانت تفتقر إلى هذا النوع من المؤسسات العلاجية المهمة.

وكللت جهوده بالنجاح عندما وضع الملك فؤاد الأول حجر الأساس للمستشفى خلال زيارته للصعيد في يناير عام 1921، ليصبح المشروع واحدًا من أهم الإنجازات الصحية بالمحافظة آنذاك.

كما أسس مستشفى للأمراض العفنة في قنا، وأنشأ مستشفى آخر في الأقصر، وهو ما ساهم في تخفيف معاناة آلاف المرضى وتحسين مستوى الرعاية الصحية في المنطقة.

وفي ميدان التعليم، لم يغفل رشوان باشا أهمية بناء الإنسان، فأنشأ مدرستين ابتدائيتين جديدتين، إحداهما في دشنا والأخرى في قوص، إلى جانب عدد كبير من المدارس الأولية في القرى والمراكز المختلفة، مؤمنًا بأن التعليم هو الطريق الحقيقي للتنمية والتقدم.

وقد انعكست هذه الإنجازات على مكانته لدى الحكومة، فتم اختياره وكيلًا لوزارة الزراعة، وهو المنصب الذي أظهر فيه قدرات كبيرة على الإدارة والتخطيط، مستفيدًا من خبراته الطويلة في شؤون الأقاليم والزراعة والتنمية الريفية.

ومع استمرار نجاحاته، تم تعيينه وزيرًا للزراعة في عهد الملك فاروق ضمن حكومتي محمد محمود باشا الثالثة والرابعة، حيث تولى المنصب خلال الفترة من 27 أبريل 1938 حتى 18 أغسطس 1939، كما تولى خلال مسيرته وزارة التجارة والصناعة، ليصبح واحدًا من أبرز رجال الدولة في تلك المرحلة.

وعرف رشوان باشا محفوظ بالنزاهة والكفاءة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، وهو ما جعله يحظى باحترام المسؤولين والأهالي على حد سواء، خاصة أنه كان حريصًا على ترجمة المناصب التي يشغلها إلى مشروعات وخدمات ملموسة يشعر بها المواطنون.

وفي عام 1948 رحل رشوان باشا محفوظ عن الدنيا بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل العام، وما زالت مقبرته شاهدة على ذكراه، حيث نُقشت عليها الآية الكريمة “وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين”، وأسفلها عبارة مدفن صاحب السعادة رشوان باشا محفوظ 1948 ميلاديًا.

ورغم مرور عقود على رحيله، فإن اسمه لا يزال حاضرًا بين الشخصيات التي أسهمت في بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة، وترك إرثًا من المشروعات التعليمية والصحية والتنموية التي خدمت أجيالًا متعاقبة من أبناء الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى