تاريخ ومزارات

هل يدل حديث أسرع قبائل العرب فناءً على انقطاع نسب قريش؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أسرع قبائل العرب فناءً قريش، ويوشك أن تمر المرأة بالنعل فتقول: إن هذا نعل قرشي».

يثير هذا الحديث تساؤلات متكررة حول المقصود بفناء قريش، وهل يعني ذلك انقطاع نسلها أو بطلان الانتساب إليها في العصور المتأخرة. وعند النظر في كلام أهل العلم ودلالات النص يتبين أن الحديث لا يمكن فهمه على هذا الوجه بإطلاق.

أولاً: الحديث يتحدث عن مآل تاريخي أو علامة من علامات تغير الأحوال، وليس عن تعداد قبلي في كل عصر.

فقوله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تمر المرأة بالنعل فتقول: إن هذا نعل قرشي» يفيد معنى الندرة الشديدة وذهاب الظهور والقوة، لكنه لا يدل بالضرورة على تحقق ذلك في زمن معين، ولا على استمرار هذا الوصف في جميع الأزمنة منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم وحتى يومنا هذا.

ثانياً: الفناء الوارد في الحديث لا يلزم منه الفناء البيولوجي الكامل.

فقد يراد به الهلاك بسبب الحروب والفتن، أو ذهاب الكثرة الظاهرة، أو ضعف السلطان والنفوذ، أو تفرق البطون واختلاطها بالأمصار حتى لا تبقى قريش ظاهرة ككيان قبلي جامع كما كانت في صدر الإسلام. ولهذا أورد كثير من العلماء الحديث ضمن أبواب الفتن وأشراط الساعة والإخبار بالمغيبات، لا ضمن أبواب انقطاع الأنساب.

ثالثاً: قريش ليست فرعاً صغيراً أو عشيرة محدودة العدد.

فقد ضمت عبر تاريخها بطوناً كثيرة، من أشهرها:

بنو هاشم، وبنو مخزوم، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو عدي، وبنو عبد الدار، وبنو عبد شمس، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو نوفل، وبنو الحارث بن فهر، وبنو معيص بن لؤي، وبنو عامر بن لؤي، وبنو محارب بن فهر وغيرهم.

ومع الفتوحات الإسلامية انتشرت هذه البطون في الحجاز والعراق والشام ومصر واليمن والمغرب والأندلس وغيرها من الأقاليم، مما جعل حصر المنتسبين إلى قريش في العصور المتأخرة أمراً بالغ الصعوبة.

رابعاً: الحديث لا يصلح دليلاً لرد جميع الأنساب القرشية أو الهاشمية المعاصرة.

ففي علم النسب لا يثبت النسب بمجرد الدعوى، كما لا يسقط بمجرد الاستبعاد أو الظن. وإنما يعتمد إثباته على جملة من المعايير المعروفة عند النسابين والمؤرخين، من أهمها:

  • الوثائق والمشجرات المعتبرة.
  • الشهرة المستفيضة بين أهل النسب.
  • اتصال عمود النسب وعدم وجود الانقطاع الزمني المؤثر.
  • موافقة الطبقات والتسلسل التاريخي.
  • شهادة أهل الاختصاص من النسابين.
  • القرائن العلمية المساندة عند الحاجة، دون أن تكون وحدها حكماً قاطعاً في مسائل الأنساب.

وعليه فإن الحديث الشريف لا يمكن اتخاذه حكماً عاماً لإبطال كل من انتسب إلى قريش أو إلى الأشراف، كما لا يمكن اتخاذه دليلاً لإثبات أي نسب دون بينة. فالأصل في الأنساب التحقيق والتوثيق والرجوع إلى الأدلة التاريخية المعتبرة، بعيداً عن التعصب أو الإنكار بغير حجة.

ويبقى الحديث النبوي خبراً عن مآل وأحوال مستقبلية تمر بها القبائل والأمم، لا قاعدة علمية لإسقاط الأنساب الثابتة أو نفيها، لأن النسب يثبت بالأدلة المعتبرة عند أهل هذا الفن، لا بمجرد التأويل أو الاستبعاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى