رجال من ذهب: محمود صلاح قطامش (الوطن في رؤية شاعر سيناوي) بين السعودية ومصر
رجال من ذهب: محمود صلاح قطامش (الوطن في رؤية شاعر سيناوي) بين السعودية ومصر
قصة كفاح… وعشق أبدي ممتد
بقلم: حاتم عبدالهادي السيد
سيناءُ نصًّ مفتوح على الأزمنة والتاريخ؛ وهي كتاب يضم بين صفحاته سير الرجال الذين صنعواً مجداً لأنفسهم؛ وتاريخاً لسيرة عاطرة لمجتمعاتهم؛ ومكانة لبلدانهم بين الدول والممالك التي سكنوها؛ وعملوا بها كذلك.
هنا – في سيناء- حيث تتعانق زرقةُ البحر المتوسط الساحر؛ مع هيبة الجبال، وحيث تتناثر الوديان كأنها شقوقٌ في جسد الزمن، وُلدت حكايات البشر الذين تعلموا من الرمل معنى الصبر، ومن الأفق معنى الحرية، ومن الريح معنى الترحال دون أن يفقدوا جذورهم الأولى.
إن سيناء ليست جغرافيا وجبال ووديان وسهول وجدران فحسب؛ بل إنها – أيضاً – حالةٌ وجودية، ووعيٌ خاص بالعالم، وطريقةٌ في النظر إلى الحياة. فمن عاش بين جبالها الصامتة يدرك أن الصمت لغة، ومن تأمل امتداد صحاريها يعرف أن الاتساع ليس في المكان وحده، بل في الروح أيضًا. ولهذا ظل أبناؤها يحملونها في قلوبهم أينما ارتحلوا؛ فهي تسكنهم كما تسكن الذاكرةُ العقل؛ وكما تسكن المحبةالقلب، وترافقهم- كذلك – كما يرافق الظلُّ صاحبه.
ومن هؤلاء الذين تركوا سيناء ليبنوا مستقبلهم الذاتي؛ لكنهم حملوا سيناء معهم في كل مكان ذهبوا إليه خرج أ./ محمود صلاح قطامش، لا بوصفه رجل أعمالٍ نجح في صناعة الثروة، بل بوصفه إنسانًا استطاع أن يحوّل المسافة إلى جسر، والغربة إلى اختبار، والنجاح إلى معنى يتجاوز الحسابات المادية.
هناك رجالٌ يغادرون أوطانهم بحثًا عن الرزق، ثم يعودون بأرصدةٍ مالية، وثمة رجالٌ يحملون أوطانهم في أعماقهم أينما ذهبوا، فيعودون وقد أضافوا إلى المكان جزءًا من ذواتهم.
لقد كان أ./ محمود صلاح قطامش من هؤلاء الذين انتصروا على الجغرافيا دون أن ينفصلوا عنها، فبقيت سيناء تسكن قلبه حتى وهو يقطع آلاف الأميال، وبقي هو أحد أبنائها الذين أثبتوا أن الانتماء الحقيقي ليس إقامةً في المكان، بل إقامةُ المكان في الروح.
إنه أ./ محمود صلاح قطامش سليل عائلات أولاد سليمان والأغوات الذين قدموا أفضل النماذج المشرفة للوطن؛ كما أنه رجل عصامي؛ صنع نفسه بنفسه؛ وعاد إلى سيناء محملاً بالحب والعرفان.
إنها ليست سيرة نجاحٍ اقتصادي بقدر ما هي سيرة إنسانٍ أدرك أن القيمة الحقيقية للحياة لا تُقاس بما نملك، بل بما نتركه من أثرٍ في الذاكرة الإنسانية؛ وأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في الصفقات وعالم المال والأعمال ، بل تلك التي تتحقق في معركة الوفاء الأولى: أن يظل القلب وفيًّا لموطنه مهما ابتعدت به الطرق.
إنه الشاعر والمثقف والإنسان أ./ محمود صلاح قطامش الذي قدم المحبة على طبق الجمال؛ وغدت قصائده ومواقفه الوطنية كشموخ النخيل؛ وهدير البحر؛ وعبر الصحراء فاختلطت تجربته الشعرية؛ بمواقفه الإنسانية فأخلص المحبة لسيناء؛ وكتب مصر في أشعاره قصيدة خالدة؛ تنم عن محب وعاشق لهذا التراب الوطني الخالد ؛ يقول :
آه قليل ..
لو بذلت الروح عشانها؛
آه قليل
لجل بلدك لو عملت
المستحيل
هيا بلدك ..
هيا روحك؛
منها اسمك
لو غزلت الشمس
مش محتاج لدليل
آه يابلدي؛
ياللي نيلك مع هواكِ
كان دوا الروح؛
والشفا
لمجروح عليل
انتِ حبي
وكل عمري
لو بعيدة ألف ميل .
إنه شاعر وطني؛ جسد شوقه رغم غربته وترحاله بين بلدان العالم؛ وفي موطن عمله في المملكة العربية السعودية.
إنه رجل الأعمال؛ والمثقف والإعلامي والشاعر الذي كتب في محبة الوطن مئات القصائد؛ وكانت مصر وسيناء هما محبوبته التي تغزل في جمالهما معاً ؛ حيث انصهرت البنت سيناء؛ مع المحبوبة والمعشوقة الخالدة مصر؛ وظل محمود قطامش؛ العاشق المتيم بعشق أبدي ممتد للمحبوبة الجميلة.
إن شاعرنا الرقيق أ./ محمود صلاح قطامش هو نموذج فريد لرجلٍ استطاع أن يصعد درجات المجد الاقتصادي دون أن يهبط درجةً واحدة من سلّم الوفاء لسيناء الحبيبة؛ ومصرنا الخالدة .
لقد خرج من العريش، ولم تخرج العريش منه. وغادر سيناء، لكن سيناء ظلّت تسافر داخله. حيث كان يدرك – منذ البدايات- أن الإنسان يُخلق مرتين : مرةً من رحم أمه، ومرةً من رحم المكان الذي يمنحه ملامحه الأولى. ولذلك ظل يحمل أرضه كما يحمل المؤمن صلاته السرية، وكما يحمل الشاعر قصيدته الأخيرة؛ فنراه يجسد وطنية أبناء سيناء وحبهم لمصرنا الحبيبة؛ وجيشنا العظيم الذي يحمي حمى الأوطان ؛ حيث المواطن السيناوي هو عين جيشنا على الحدود؛ عبر البوابة الشرقية لسيناء؛ ويتجسد ذلك المعني في قصيدته ” هنا العريش” حيث أشار إلى سيناء من خلال لهجة أهلها؛ فهم الذين يقولون كلمة ( ايش) ؛ وهي كلمة لا ينطقها في مصر سوى أهل العريش؛ يقول :
هنا الناس اللِّي تكلمها؛
تقولك ايش…
وشاربة الغلب شقيانة؛
ع لقمة عيش …
وساعة الشدة تلقاهم
عيون للجيش …
فدا للأرض والأوطان ؛
وصون للعرض …
وعزة نفس لو نايمين كدا ع
الخيش …
هنا مصر اللي محروسة
بشعب …. وجيش.
في بداية حياته عمل أ./ محمود صلاح قطامش موظفًا بمديرية جمارك العريش، لكنه كان يحمل داخله أحلاماً أكبر من حدود المكان والوظيفة. كان يرى العالم فضاءً مفتوحًا للعمل والتفاح؛ والمعرفة والتجربة، لا جدارًا يقف عنده الطموح. وحين قرر الرحيل إلى المملكة العربية السعودية لم يكن يبحث عن الثروة بقدر ما كان يبحث عن إمكاناته الخفية. فالغربة في جوهرها ليست انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل هي اختبار وجودي عميق؛ وامتحانٌ للقدرة على إعادة تشكيل الذات في مواجهة المجهول.
وهناك، في السعودية بدأت سنوات العمل الشاق، لم يكن يبني مؤسسةً تجارية فقط، بل كان يبني شخصيته حجرًا فوق حجر، وخبرة فوق خبرة، حتى أصبح شريكًا في شركة الظافر للشحن ، وصاحب عدة مشروعات صناعية، وأحد الأسماء التي ارتبطت بالنجاح الاقتصادي القائم على الجهد والمعرفة والانضباط. ورغم كل هذا التعب والعناء لم تكن سيناء بالنسبة إليه ذكرى بعيدة، بل حضورًا يوميًا في وجدانه.كان يراها في وجوه الناس.وفي أسماء القرى.
وفي رائحة المطر حين يلامس الرمال. وفي أصوات البدو وهم يرون حكايات الأرض والآباء.
كان يعرف أن الأمكنة العظيمة لا تسكن الخرائط بل تسكن الأرواح، وأن الوطن الحقيقي ليس ما نعيش فيه فقط، بل ما يعيش فينا.
ومن هنا جاءت علاقته المتميزة بكثير من أبناء سيناء؛ حيث لم يكن ينظر إليهم بوصفهم أبناء منطقة أو أقارب جغرافيا، بل بوصفهم امتدادًا إنسانيًا وروحيًا لذاته. ولذلك ظل حاضرًا في وجدان الناس بما عُرف عنه من محبة وعطاء ومواقف نبيلة ومساندة صادقة، حتى صار اسمه مرتبطًا في الذاكرة السيناوية بمعاني الوفاء قبل أي شيء آخر.
إن سيرة رجل الأعمال السيناوي أ. / محمود صلاح قطامش تكشف حقيقة كثيرًا ما يغفلها الناس؛ وهي أن الإنسان لا يكبر بما يضيفه إلى ثروته، بل بما يضيفه إلى إنسانيته. فالمال يستطيع أن يبني المصانع والشركات، لكنه لا يستطيع أن يبني المحبة؛والمناصب قد تمنح النفوذ، لكنها لا تمنح الاحترام. أما القلوب فلا تفتح أبوابها إلا لأولئك الذين يدخلونها بأخلاقهم.
هكذا يبدو الشاعر والمثقف ورجل الأعمال الناجح أ/ محمود صلاح قطامش في صورته الأجمل: رجلٌ صنعته الإرادة، وصقلته التجربة، واحتفظ رغم طول الرحلة بنقاء البدايات. كلما اتسعت أمامه آفاق النجاح ازداد تعلقًا بجذوره، وكلما ارتفعت مكانته ظل أكثر قربًا من الناس.
لقد كان أ. / محمود صلاح قطامش يدرك أن النجاح الحقيقي ليس في الوصول وحده، بل في القدرة على البقاء والتطور وصناعة الفرص للآخرين. وهكذا أصبح شريكًا في شركة الظافر للشحن بالمملكة العربية السعودية، وهي من أكبر شركات الشحن في الوطن العربي؛ كما أصبح أحد الأسماء البارزة في عالم المال والأعمال، والتجارة ؛والصناعة؛وفي مجال العمل الزراعي كذلك.
وإذا كان رجل الأعمال قد أتقن لغة الأرقام، فإن الشاعر الكامن في روح أ. / محمود صلاح قطامش ظل يتقن لغة المشاعر. فالشعر عنده ليس كلماتٍ موزونةً فحسب، بل طريقةٌ في النظر إلى العالم. لذلك بقيت علاقته بالحياة علاقة تأملٍ ومحبة، لأنه يرى في الإنسان قيمةً كبرى، وفي العمل رسالةً أخلاقية، وفي الوطن معنىً يتجاوز الحدود والخرائط.
وفي قصيدته:” بلدي يامصر” تتجلى لديه الوطنية الممزوجة بعشق ممتد؛ فبدون الأوطان لا يستحق أن يحيا الإنسان. فنراه هنا يغوص في وطنيته؛ ويفضل وطنه على نفسه؛ وكأنه يذكرنا بأمير الشعراء / أحمد شوقي حين قال :
ويا وطني لقيتك بعد نأي
كأني قد لقيت بك الشبابا
وإني لو دعوت لكنت ديني
عَلَىَّ أقابل الحتم المجابا .
وشاعرنا يصف مصر – هنا- بأنها أم البلاد والعالم والحياة؛ وهي روحه ودمه؛ يقول في معزوفته المموسقة؛ وقصيدته الغنائية العذبة الرائقة :
بلدي يا أم الدنيا يامصر
يا اللي أنا بيكي
وحبي أنا ليكي
يابلدي ياغالية
يا غالية يا مصر…
…
يا اللي فتحت كتابي
في حضنك..
سر شبابي؛
أنا قلته في ودنك
يا اللي العيشة
تحت راياتك
أجمل عندي؛
من ميت قصر
بلدي يا مصر….
……
يا اللي بحب
حياتي عشانك
ويوم ما تنادي
أَعَلِّي أدانك ..
ولو سألوني
أقول أنا مصري
وان عصروني؛
عشانك عصر
بلدي يامصر….
……
لو حطولي الدنيا
في كفة؛
عمري م أتوه
ولا أغير دفة
حب حياتي
وفيها مماتي
لأجل عيونك
أجيب النصر
بلدي يامصر……
………
إن حبيت؛
هقول مواويلك
ولا مرضت
شفايا ف نيلك
ولو ظلموني؛
أو حبسوني
لأجل جمايلك
يامه عليا
هحب الأسر …
بلدي يامصر ؛
بلدي يا مصر .
إن شاعرنا أ./ محمود صلاح قطامش يمثل صورةً رائعة للرجل العصامي الذي صنع ذاته بجهده، دون أن يفقد جذوره أو يتنكر لأهله؛ وهو نموذجٌ يؤكد أن النجاح لا يولد في الأبراج العالية، بل يبدأ غالبًا من الأماكن البسيطة، من المكاتب الصغيرة، ومن الأحلام التي تبدو مستحيلة في بدايتها. وما بين جمارك العريش ومصانع الإنتاج وشركات الشحن، تمتد حكاية رجلٍ كتب سيرته بمداد الكفاح، وجعل من حياته شاهدًا على أن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل رمال الصحراء إلى حدائق من الإنجاز.
كل التحية للشاعر والمثقف الإعلامي أ. / محمود صلاح قطامش الذي أسس ( مجلة مصر ٣٠) وخصص أبوابها بالكامل لسيناء؛ وفتح المجال للجميع ليكتبوا عن سيناء؛ وكأنه أراد أن يستنشق روح المكان؛ وزهو النخيل ورائحة البحر وهو في البعيد بالمملكة العربية السعودية ؛ ليقول للجميع : أنا وإن كنت بعيداً في الغربة؛ إلا أنني أحبكم؛ وأطمئن عليكم؛ وعلى تنمية سيناء وأهلها من خلال صفحات المجلة الجميلة؛ التي خصصها كلها عن سيناء؛ ليتفاخر بها وبوطنه في بلاد المنافي والغربة البعيدة .
كل المحبة لرجل أخلص لسيناء؛ وقدم الكثير دون أن ينتظر كلمة ثناء أو شكر؛ ودون اعلان. ونحن هنا نقول له : شكراً … فعشقك لسيناء وما تقدمه لأهلها يعرفه الكثيرون؛ لتظل سيناء ومصرنا الحبيبة نبراساً يصنع الرجال؛ ومنهم ابن سيناء الشاعر والإنسان أ./ محمود صلاح قطامش .
تحيا مصر
تحيا مصر
تحيا مصر.
حاتم عبدالهادي السيد
عضو اتحاد كتاب مصر
رئيس رابطة الأدباء العرب
رئيس مجلس أمناء الملتقى الإفرو- آسيوي للإبداع
٠١٠٠٥٧٦٢٧٠٢مصر
٠١٠٧٠١٥١٩٠٥مصر
abdelhady.hatem@yahoo.com




