منيرة المهدية.. هل أخفت شهرة أم كلثوم بريق «سلطانة الطرب»؟

تحل اليوم ذكرى ميلاد منيرة المهدية أو “سلطانة الطرب” التي لم تكن مجرد مطربة عاشت قبل زمن أم كلثوم بل كانت امرأة اقتحمت مجالات لم تكن النساء يقتربن منها بسهولة في ذلك الوقت فاعتلت المسرح والغناء في مرحلة كان الظهور الفني فيها تحديًا اجتماعيًا كبيرًا، وبعد سنوات جاءت أم كلثوم لتصبح الاسم الأبرز في تاريخ الغناء العربي، ليبقى السؤال حاضرًا حتى اليوم: هل غطت شهرة كوكب الشرق على قيمة منيرة المهدية الفنية والتاريخية؟
منيرة المهدية.. اسم صنع البدايات
لم تكن منيرة المهدية مجرد فنانة سبقت أم كلثوم زمنيًا وإنما كانت ظاهرة فنية واجتماعية تركت أثرًا واضحًا في بدايات القرن العشرين، وتشير المصادر إلى أن اسمها الحقيقي كان زكية حسن منصور بينما عرفت فنيًا بلقب “سلطانة الطرب”، كما اختلفت الروايات حول سنة ميلادها إذ تذكر بعض المصادر أنها ولدت عام 1885 في حين يشير كتاب “مسيرة المسرح في مصر 1900–1935” الصادر عن مؤسسة هنداوي إلى أن ميلادها كان عام 1888.
وظهرت منيرة المهدية في مرحلة كانت فيها ملامح الفن الحديث تتشكل داخل مصر مع ظهور المسرح الغنائي وانتشار الأسطوانات والمقاهي الفنية والفرق المسرحية الخاصة إضافة إلى صعود الفنان كشخصية جماهيرية مؤثرة، ووفقًا لما ذكرته مؤسسة “أمار” فقد سجلت أولى أسطواناتها عام 1906 تحت اسم “الست منيرة”، لتصبح واحدة من أوائل النساء اللاتي دخلن عالم التسجيلات الغنائية قبل الحرب العالمية الأولى، وهو ما منحها مكانة مبكرة في تاريخ الغناء العربي المسجل.
اقتحام المسرح
كما برز الدور المسرحي لمنيرة المهدية بصورة أوضح عندما وقفت على خشبة المسرح مع فرقة عزيز عيد خلال صيف عام 1915 وقدمت شخصية “حسن” في إحدى روايات الشيخ سلامة حجازي، لتعد من أوائل السيدات المصريات اللاتي اقتحمن المسرح العام، في وقت كان الرجال لا يزالون يؤدون أدوار النساء في بعض العروض المسرحية.
وتؤكد المصادر التاريخية والصحفية إلى أنها كانت تكتب على أفيشات عروضها لقب “الممثلة الأولى”، قبل أن تؤسس فرقتها الخاصة التي قدمت من خلالها أعمالًا مسرحية وغنائية لاقت شهرة واسعة في ذلك الوقت.
صوت الثورة والمجتمع
وفي السياق ذاته، ارتبط اسم منيرة المهدية أيضًا بمقهى “نزهة النفوس”، الذي تحول مع الوقت إلى ملتقى يجمع رجال السياسة والفكر والصحافة، كما ارتبط حضورها الفني بأجواء ثورة 1919 والأغاني الوطنية والمشاركة في المجال العام، وهو ما جعل سيرتها تتجاوز حدود الطرب لتصبح جزءًا من تاريخ الثقافة المصرية الحديثة.
زمن أم كلثوم المختلف
ثم جاءت أم كلثوم، لكنها لم تدخل الساحة باعتبارها مطربة جديدة فقط، بل جاءت ممثلة لعصر مختلف تمامًا في صناعة الغناء، فقد ظهر معها شكل جديد يقوم على الانضباط الفني الصارم، والقصائد الطويلة والحفلات الشهرية المنتظمة، إضافة إلى الإذاعة وصناعة الصورة الجماهيرية والتعاون المستمر مع كبار الشعراء والملحنين، قبل أن تتحول إلى رمز عربي واسع التأثير.
ومن هنا تبدلت قواعد المشهد الفني بالكامل، إذ تنتمي منيرة المهدية إلى زمن المسرح الغنائي والصالونات الفنية والأسطوانة الأولى، بينما ارتبطت أم كلثوم بزمن الإذاعة والدولة الحديثة والجمهور العربي الممتد في مختلف البلدان.
هل ظلمتها الشهرة؟
لذلك فإن القول بأن أم كلثوم ظلمت منيرة المهدية يحتاج إلى قراءة أكثر دقة، صحيح أن الشعبية الجارفة التي حققتها كوكب الشرق حجبت أسماء كثيرة سبقتها أو عاصرتها، وكانت منيرة المهدية من أبرز تلك الأسماء إلا أن الأمر لم يكن صراعًا مباشرًا أو إقصاءً فنيًا بقدر ما كان انعكاسًا طبيعيًا لتغير أدوات الفن والجمهور والذوق العام.
فالفنان الذي ارتبط بالمسرح الغنائي في بدايات القرن العشرين وجد نفسه لاحقًا أمام عصر جديد تتحكم فيه الإذاعة والميكروفون والتسجيلات واسعة الانتشار، ثم السينما والصحافة الجماهيرية، وهي أدوات صنعت نجومية مختلفة تمامًا.
وتذكر بعض الروايات أن منيرة المهدية حاولت العودة إلى المسرح عام 1948 بعد فترة طويلة من الاعتزال لكنها لم تحقق النجاح الذي كانت تنتظره في وقت كانت فيه أم كلثوم قد فرضت حضورًا استثنائيًا وشروطًا جديدة على الساحة الغنائية وهذه الواقعة لا تعني بالضرورة أن أم كلثوم أزاحت منيرة المهدية، لكنها تكشف أن “سلطانة الطرب” عادت إلى جمهور تغيرت اهتماماته، وإلى سوق فني لم يعد يشبه الزمن الذي صنعت فيه مجدها الأول.



