مدينة إهلة الأثرية.. عاصمة يمنية دمرتها الحروب وتكشف أسرار ممالك منسية
في قلب منطقة الرياشية جنوب مدينة رداع بنحو 35 كيلومترًا، تقف مدينة “إهلة” الأثرية شاهدًا صامتًا على واحدة من أقدم الحضارات في جنوب الجزيرة العربية، هذه المدينة، التي تعود إلى مملكة قتبان، ورد ذكرها في نقوش الملك السبئي يثع أمر وتر خلال القرن الثامن قبل الميلاد باسم “أهلت”.
وتكشف المصادر التاريخية أن إهلة لم تكن مجرد مدينة عادية، بل كانت عاصمة لمملكة “يحير”، قبل أن تتعرض لدمار كامل نتيجة حملة عسكرية سبئية موثقة في النقوش القديمة.
اكتشافات أثرية مذهلة.. قصر ملكي يحكي قصة الدمار
أعمال التنقيب في الموقع كشفت عن معالم معمارية لافتة، أبرزها مبنى ملكي ضخم يُرجح أنه كان مقر الحكم في المدينة. يتكون المبنى من جناحين وعدد من الغرف، بأرضيات مرصوفة بأحجار متقنة، وجدران مغطاة بطبقات من القضاض والجبس، ما يعكس تطورًا معماريًا متقدمًا في تلك الفترة.
المدخل الشمالي للقصر كان مزودًا بباب خشبي مدعم بالحديد، وقد عثر عليه متفحمًا بالكامل، في إشارة واضحة إلى تعرض المبنى لحريق هائل أدى إلى انهياره، وهو ما يعزز فرضية تدمير المدينة خلال حملة عسكرية.
إهلة وممالك الجوار.. خيوط تكشف تاريخًا مفقودًا
لا تقتصر أهمية موقع إهلة على حدود المدينة نفسها، بل تمتد لفهم خريطة ممالك جنوب الجزيرة العربية. إذ يفتح هذا الموقع باب البحث حول ممالك وقبائل غامضة مثل “يهنطل”، التي يعتقد أنها كانت تنتشر بين مناطق رعين ويافع، وتقع حاليًا ضمن نطاق محافظة الضالع.
هذه الاكتشافات تعيد رسم ملامح شبكة معقدة من العلاقات السياسية والقبلية التي كانت سائدة في تلك الحقبة.
تحذيرات من الإهمال.. خطر يهدد التراث التاريخي
رغم القيمة التاريخية الكبيرة لموقع إهلة، إلا أن الإهمال الذي يطال العديد من المواقع الأثرية في اليمن، خاصة الإسلامية والحميرية، يثير مخاوف متزايدة من فقدان هذا الإرث.
ويؤكد مختصون أن تجاهل هذه المواقع يمثل تهديدًا مباشرًا للهوية التاريخية، ويستدعي تحركًا عاجلًا لحمايتها والحفاظ عليها للأجيال القادمة.
بهذا، تظل مدينة إهلة واحدة من أبرز الشواهد على حضارات اندثرت، لكنها ما زالت تكشف أسرارها تدريجيًا، لتعيد إحياء صفحات منسية من تاريخ المنطقة.



