تاريخ ومزارات

«لعنة النسيان».. سر المقبرة التي دمرت لإخفاء صاحبها

في عمق الوادي الغربي، حيث تختبئ أسرار الحضارة المصرية القديمة بين الصخور الصامتة، تنكشف حكاية لا تتعلق بالموت بقدر ما تتعلق بمحاولة طمس وجود إنسان من صفحات التاريخ، إنها قصة مقبرة ملك لم تهزمه عوامل الزمن، بل تعرّضت ذكراه لاستهداف متعمد، في واحدة من أكثر وقائع التاريخ المصري القديم غموضًا وإثارة.

اكتشاف صادم

في عام 1816، وخلال رحلاته الاستكشافية، عثر الرحالة الإيطالي جيوفاني بلزوني بالصدفة على مقبرة غامضة في الوادي الغربي، عرفت لاحقًا باسم WV23، وهي مقبرة الملك آي، لكن ما كشفه الداخل لم يكن كنزًا أثريًا مألوفًا بل مشهدًا مروعًا: مقبرة شبه خالية، وتابوت محطم إلى أجزاء متناثرة، وكأن قوة غاضبة مرت من هناك وتركت خلفها آثار الدمار.

محو متعمد

ومع الفحص الدقيق، تبين أن ما حدث لم يكن نتيجة سرقة أو عوامل طبيعية، بل عملية تدمير ممنهجة، فقد تعرض كل ما يرتبط بالملك آي—من صور وأسماء ونقوش—للتشويه والتحطيم، في حين بقيت أجزاء أخرى من المقبرة أقل تضررًا، ما يكشف بوضوح أن الهدف كان محو هذا الملك من الذاكرة وكأنه لم يكن يومًا.

صراع على التاريخ

هذا النوع من الإقصاء الرمزي لم يكن عشوائيًا، بل يرجح أنه تم بأمر من خليفته الملك حورمحب، الذي سعى إلى إعادة صياغة التاريخ عقب فترة العمارنة المثيرة للجدل، وهي المرحلة المرتبطة بالملك إخناتون وثورته الدينية التي اعتُبرت خروجًا عن العقيدة التقليدية.

الملك آي كان ضمن هذه الدائرة، إذ ارتبط اسمه بتلك الحقبة، ويعتقد أنه والد الملكة نفرتيتي، كما حمل لقب “أب الإله”، ما يعزز فرضية كونه حمو إخناتون، لذلك أصبح هدفًا مباشرًا لسياسة المحو التي طالت كل من ارتبط بتلك الفترة، ولم تقتصر محاولات الإقصاء على تدمير المقبرة، بل امتدت إلى السجلات الرسمية، حيث جرى حذف أسماء ملوك العمارنة من القوائم الملكية.

ففي نقوش معابد سيتي الأول ورمسيس الثاني في أبيدوس، تظهر فجوة زمنية واضحة، إذ يتم تجاوز إخناتون وتوت عنخ آمون وآي، ليتم الانتقال مباشرة من عهد أمنحتب الثالث إلى حورمحب.

وعلى الرغم من كل محاولات الطمس، لم تنجح تلك الجهود في إخفاء الحقيقة بالكامل، ففي تسعينيات القرن العشرين، أُعيد ترميم  الحجري وإعادته إلى موضعه داخل المقبرة، ليظل شاهدًا صامتًا على قصة ملك حاولوا محوه من التاريخ، لكنه بقي حاضرًا، حتى وإن كان بين الشقوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى