كتابنا

علاء عبدالله يكتب: الحضور الفكري لمؤسسة رسالة السلام في إندونيسيا بين التحول المؤسسي والتأثير الأكاديمي

شهدت إندونيسيا خلال الفترة الأخيرة حدثًا ثقافيًا وفكريًا لافتًا مرتبطًا بنشاط مؤسسة “رسالة السلام”، تمثل في قيام وفد المؤسسة بزيارة عدد من الجامعات الإندونيسية تخللها عقد فعاليات أكاديمية وتوقيع اتفاقيات تعاون، إلى جانب تأسيس مراكز بحثية تحمل اسم المفكر الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، وقد عكس هذا الحراك حضورًا متصاعدًا للمؤسسة داخل الأوساط الجامعية مع ما رافقه من اهتمام طلابي وأكاديمي ملحوظ.

وبرزت جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية في مدينة مالانج كإحدى المحطات الرئيسية لهذا النشاط، حيث أظهر عدد من الطلاب تفاعلًا لافتًا مع الأفكار المطروحة وصل إلى تعبير رمزي عن الانضمام للمؤسسة، وهو ما يعكس درجة تقبل واضحة داخل بيئة أكاديمية متعددة الثقافات والتوجهات الفكرية، ولم ينظر إلى هذا التفاعل كحدث عابر، بل كإشارة إلى قابلية الخطاب الفكري الذي تقدمه المؤسسة للانتشار في فضاءات تعليمية واسعة.

وامتد النشاط ليشمل اتفاقيات تعاون أكاديمي مع الجامعات الإندونيسية تضمنت توقيع مذكرة تفاهم مع إحدى الجامعات الكبرى والموافقة على إنشاء مركز بحثي متخصص في الدراسات القرآنية والعربية، إضافة إلى إطلاق جائزة علمية في جامعة أخرى في جاكرتا، وهذا التحول في طبيعة العمل من إطار فكري إلى بناء مؤسسي يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو ترسيخ وجود طويل الأمد داخل البيئة الأكاديمية، بما يتيح مساحة أوسع لتداول الأفكار وتطويرها.

يقوم هذا المشروع الفكري على رؤية تهدف إلى إعادة قراءة النص القرآني باعتباره مصدرًا للقيم الإنسانية الجامعة مثل الرحمة والعدل والسلام، مع التأكيد على رفض الخطابات التي تؤدي إلى الانقسام أو التطرف، وقد وجد هذا الطرح صدى لدى بعض شرائح الطلاب في إندونيسيا، خاصة في سياق مجتمع يتميز بتنوعه الديني والثقافي، ما ساعد على تعزيز التفاعل مع هذه الرؤية داخل الأوساط الجامعية.

وهناك عدد من العوامل أسهمت في إبراز هذا الحضور، من بينها وضوح الفكرة المطروحة واستمرارية العمل المؤسسي عبر سنوات، إلى جانب الحضور الأكاديمي والإعلامي للوفد، فضلًا عن مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمع الإندونيسي، وهو ما ساعد على بناء قنوات تواصل أكثر فاعلية مع المؤسسات التعليمية هناك وفتح المجال أمام تفاعل أعمق مع البيئة المحلية.

كما لعب التنوع داخل الوفد دورًا مهمًا في تعزيز هذا الحضور، حيث ضم شخصيات أكاديمية وإعلامية وشخصيات عامة، مما أتاح مرونة أكبر في التواصل مع مختلف المستويات داخل الجامعات الإندونيسية، وساهم في تسهيل الحوار الثقافي والفكري مع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.

وهذا الحراك لا يمكن فصله عن مسار فكري ممتد يرتبط بالمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يقوم طرحه على فكرة مركزية ترى أن القرآن الكريم يحمل رسالة إنسانية عالمية قائمة على السلام والتعارف بين الشعوب، ومع تطور هذا الطرح أصبح يشكل أساسًا لمشروعات مؤسسية تجاوزت الإطار العربي نحو فضاءات دولية، مع تزايد الاهتمام الأكاديمي العالمي بهذا النوع من الخطاب الفكري.

وتكشف هذه التجربة عن مجموعة من الدلالات، أبرزها أهمية القوة الناعمة في نشر الأفكار ودور الشباب في التفاعل مع الخطابات الفكرية الجديدة، إضافة إلى أهمية الانتقال من مستوى الفكرة إلى مستوى المؤسسة لضمان الاستمرارية والتأثير، كما تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه في بيئات أخرى، من خلال الجمع بين وضوح الرؤية الفكرية والقدرة المؤسسية على التنفيذ والتواصل.

في النهاية، تتضح ملامح تجربة تقوم على تفاعل مباشر بين الفكر والواقع الأكاديمي الدولي، حيث تتحول الأفكار إلى مشروعات قابلة للتطبيق داخل الجامعات، وتجد طريقها إلى النقاش والتفاعل في بيئات ثقافية متعددة، بما يعزز من حضورها عبر الحدود الجغرافية ويمنحها قابلية أكبر للاستمرار والتطور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى