تاريخ ومزارات

حتشبسوت بين الأسطورة والحقيقة.. هل تعرضت للانتقام أم شوه التاريخ قصتها؟

على امتداد سنوات طويلة، استقرت في أذهان المؤرخين والجمهور رواية درامية حول الملكة حتشبسوت، تقدمها كحاكمة قوية انتهت حياتها بإرث تعرض لانتقام قاسي من وريثها الملك تحتمس الثالث، الذي يعتقد أنه عمل على طمس اسمها وتحطيم تماثيلها بدافع الغضب والصراع على الحكم.

إلا أن دراسة حديثة أعادت فتح هذا الملف المعقد، مقدمة قراءة مختلفة تقلب التصورات التقليدية رأسًا على عقب، في محاولة للوصول إلى فهم أعمق لطبيعة تعامل المصري القديم مع مفاهيم السلطة والرمزية والخلود.

دلائل على تصفية سياسية واسعة

في قلب هذا الجدل العلمي، يبرز اسم الباحث جون يي وونج، المتخصص في علم المصريات بجامعة تورنتو، والذي أثارت دراسته الأخيرة نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية، بعدما قدم تفسيرًا مغايرًا لطبيعة الدمار الذي طال تماثيل حتشبسوت.

الرواية الشائعة لسنوات طويلة صوّرت حتشبسوت كحاكمة “استولت على العرش”، وتعرضت عقب وفاتها لعملية محو ممنهجة بدافع الانتقام السياسي، غير أن وونج يشير إلى أن هذه الفرضية لم تحظَ يومًا بإجماع كامل، لافتًا إلى أن عددًا من كبار المسؤولين الذين خدموا في عهد حتشبسوت استمروا في مواقعهم خلال حكم تحتمس الثالث، دون ظهور أي مؤشرات على وجود تصفية سياسية واسعة، وهو ما يضعف فرضية العداء الشخصي العميق.

ويؤكد الباحث أن ما نشهده اليوم لا يمثل بالضرورة “تصحيحًا نهائيًا للتاريخ”، بل يعكس تطورًا طبيعيًا في قراءة الأدلة، مدفوعًا بتراكم الدراسات وتنوع زوايا التحليل، موضحًا أن كل جيل يعيد تفسير الماضي وفق أدواته المعرفية.

إبطال القوة الرمزية للتمثال

أما المفاجأة الأبرز في الدراسة فتتعلق بتفسير أسلوب تدمير التماثيل، إذ لا تشير الأدلة إلى مشهد عنيف يعكس كراهية أو رغبة في الانتقام، بل يقدم وونج دلائل على ما يعرف بـ”التعطيل الطقسي”، وهو مفهوم ديني كان يهدف إلى إبطال القوة الرمزية للتمثال دون القضاء عليه بالكامل.

ويستند هذا الطرح إلى تحليل دقيق لحالة التماثيل المكتشفة، حيث لوحظ أن العديد منها تعرض لكسر منظم في مناطق محددة مثل الرقبة والخصر والقدمين، بينما ظلت ملامح الوجه سليمة في كثير من الحالات. هذا النمط لا يتفق مع فكرة التدمير العشوائي، بل يشير إلى عملية مقصودة ومنهجية تحمل أبعادًا طقسية واضحة.

كما أن العثور على بعض هذه التماثيل مدفونة في مواقع محددة، مثل أسفل الطريق الصاعد لمعبد تحتمس الثالث، دون وجود آثار لعبث لاحق، يعزز فرضية أن عملية “التعطيل” تمت بشكل منظم وفي إطار رسمي، وليس نتيجة فوضى أو انتقام.

إعادة ترتيب الشرعية الملكية

ولا يستبعد وونج وجود دوافع سياسية وراء استهداف صور حتشبسوت، لكنه يرى أن السياسة والدين كانا متداخلين بصورة كبيرة في مصر القديمة، موضحًا أن تقليص حضورها الرمزي قد يكون خدم أهدافًا تتعلق بإعادة ترتيب الشرعية الملكية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود كراهية شخصية.

ومن جانب آخر، يشير الباحث إلى أن جزءًا كبيرًا من الأضرار التي لحقت بتماثيل حتشبسوت حدث في عصور لاحقة، حيث أعيد استخدام هذه التماثيل كمواد بناء، بل وتحولت بعض أجزائها إلى أعمدة خلال العصرين اليوناني والروماني، ما يعني أن تحتمس الثالث قد لا يكون المسؤول الوحيد عن الصورة “المدمرة” التي وصلت إلينا.

ويعتمد وونج في تحليله على منهج يشبه التحقيق الجنائي، يركز على “سياق الاكتشاف” وأنماط الكسر وتوزيع الشظايا، بدلًا من الاكتفاء بالتحليل الفني أو الرمزي التقليدي، وهو ما أتاح له قراءة الأدلة من منظور مختلف.

شخصية تاريخية معقدة

أما فيما يتعلق بتأثير كون حتشبسوت امرأة على إرثها التاريخي، فيقر الباحث بأن هذا العامل لعب دورًا في تفسير تاريخها، سواء في العصور القديمة أو الحديثة، حيث غالبًا ما تقرأ إنجازاتها من هذا المنظور، رغم أنها كانت استثنائية وفق معايير أي حاكم، رجلًا كان أو امرأة.

وفي النهاية، تظل القصة مفتوحة على احتمالات متعددة، فكما يؤكد وونج، فإن أي اكتشاف أثري جديد قد يعيد تشكيل الفهم مرة أخرى. لكن المؤكد أن حتشبسوت لم تعد مجرد “ضحية انتقام”، بل شخصية تاريخية معقدة تتجاوز الروايات البسيطة، وتدفع إلى إعادة التفكير في كيفية قراءة التاريخ ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى