رحلة الملك فؤاد الأول من منفى الألم إلى عرش مصر وصراع السلطة

في أواخر القرن التاسع عشر، وتحت شمس الجيزة الحارقة، ولد في 26 مارس 1868 طفل حمل اسم فؤاد الأول، ابن الخديوي إسماعيل من زوجته الثالثة الأميرة فريال هانم، عاش طفولته الأولى داخل جدران قصر عابدين حيث امتزجت حياة الرفاهية المفرطة بانضباط صارم، التحق بمدرسة خاصة داخل القصر، ولم يستمر في التعليم سوى ثلاث سنوات، قبل أن تنقلب حياته بشكل مفاجئ وتبدأ رحلة مختلفة تماما.
رحلة الملك فؤاد الأول
عندما عزل والده عام 1879، رافقه في رحلة النفي إلى إيطاليا، وهناك بين نابولي وتورينو عاش سنوات شبابه بعيدا عن وطنه، التحق بالأكاديمية العسكرية في تورينو، وتخرج ملازما عام 1888، لكنه لم يجد الاستقرار، فدخل في دوامة من الوحدة والإسراف، وكان يحمل داخله جرح الغربة، فسافر إلى إسطنبول، والتقى عبد الحميد الثاني، واستطاع من خلاله الحصول على فرمان يسمح له بالعودة إلى مصر عام 1890، فعاد وهو أكثر نضجا، لكنه لم يفقد طموحه الكبير.
اتجه بعد عودته إلى الاهتمام بالعلم والثقافة، وشارك في تأسيس الجامعة المصرية الأهلية التي أصبحت لاحقا جامعة القاهرة، وترأسها اسميا بين عامي 1908 و1913، وكان يؤمن بأن بناء مصر يبدأ من المعرفة والتعليم، وسعى إلى أن يكون له دور في تشكيل مستقبل البلاد.
في 9 أكتوبر 1917 تغير مسار حياته بالكامل، بعد وفاة شقيقه السلطان حسين كامل، ورفض ابنه كمال الدين حسين تولي الحكم، تدخلت بريطانيا وقدمت له عرض السلطنة، فقبل القرار وهو يدرك أن القوة الحقيقية في البلاد كانت بيد الاحتلال، وأن المشهد السياسي مليء بالتحديات بين النفوذ البريطاني وصعود الحركة الوطنية.
بدأ حكمه بخطوات محسوبة، فتواصل مع المندوب البريطاني، وقدم دعم الدولة للجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وسعى إلى تثبيت أقدامه في الحكم، محاولا تحقيق توازن بين حماية عرشه والتعامل مع الواقع السياسي المعقد.
عندما اندلعت ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول، اختار فؤاد أسلوب المناورة بدلا من المواجهة المباشرة، فعمل على تفتيت الصف الوطني، وكلف عدلي يكن بتشكيل وفد رسمي، متجاهلا زغلول وحزب الوفد، في محاولة للسيطرة على المشهد السياسي دون صدام مباشر مع القوى الشعبية.
في 28 فبراير 1922 أعلنت بريطانيا استقلال مصر بشكل مشروط، فاستغل فؤاد اللحظة بسرعة، وفي 15 مارس 1922 أعلن نفسه ملكا على البلاد، ليصبح الملك فؤاد الأول ملك مصر والسودان، وأكد في رسالته للشعب أن الاستقلال يمثل بداية جديدة تعكس مكانة الدولة وهيبتها بين الأمم.
عمل بعد ذلك على تثبيت حكم أسرته، فحصل على موافقة بريطانيا لتعديل نظام الوراثة، وأصدر قرارا في أبريل 1922 يجعل ابنه فاروق الأول وليا للعهد، وقصر انتقال الحكم على ذريته، في خطوة هدفت إلى تأمين مستقبل العائلة بعد سنوات النفي الطويلة.
تميز حكمه بمهارة واضحة في إدارة الصراع السياسي، فحاول تأجيل إصدار الدستور، ثم اضطر لإعلانه عام 1923، لكنه لم يسمح باستقرار الحياة النيابية، فقام بحل البرلمان عدة مرات، وأقال حكومات الوفد، ودعم قوى سياسية أخرى لإضعاف نفوذهم، وفي عام 1930 ألغى الدستور قبل أن يعيده تحت ضغط الشارع، وظل صراعه مع الوفد مستمرا طوال سنوات حكمه.
أما حياته الخاصة، فحملت الكثير من التوتر، تزوج عام 1895 من الأميرة شيفكيار خانم، وأنجبت له ابن توفي صغيرا وابنة هي فوقية، ثم انتهى الزواج بالطلاق عام 1898 بعد خلافات حادة، وتعرض لمحاولة اغتيال من شقيقها نجا منها وترك الحادث أثرا دائما في حياته، ثم تزوج عام 1919 من نازلي صبري، التي أنجبت له فاروق وأربع أميرات هن فوزية وفايزة وفايقة وفتحية، وكان شديد السيطرة على أسرته ويتدخل في تفاصيل حياتهم بدقة.
رغم الصراعات السياسية، شهدت مصر في عهده خطوات مهمة نحو التحديث، فظهر بنك مصر عام 1920، وانطلقت الإذاعة المصرية عام 1934، وازدهرت الفنون، وتأسست مؤسسات تعليمية وثقافية بارزة، كما دعم إنشاء مجمع اللغة العربية عام 1932، وافتتح تمثال نهضة مصر للفنان محمود مختار، في إشارة إلى مرحلة جديدة من الوعي الثقافي.
تداولت بعض الروايات أنه كان يفضل حرف الفاء في أسماء أبنائه، فاختار أسماء تبدأ بهذا الحرف مثل فوقية وفاروق وفوزية وفايزة وفايقة وفتحية، وزين به قصوره، تعبيرا عن اعتقاد خاص لازم تفكيره لسنوات طويلة.
في 28 أبريل 1936 توفي الملك فؤاد الأول داخل قصر القبة عن عمر بلغ 68 عاما، ودفن في مسجد الرفاعي، وترك الحكم لابنه فاروق بعد أن مهد الطريق لمعاهدة 1936 مع بريطانيا في عامه الأخير.



