القاهرة التي اشتعلت نارها فهزت عرش نابليون .. ما القصة؟

في قلب القاهرة القديمة، المدينة التي مرت فوق ترابها حضارات لا تحصى، سطر أهلها بدمائهم وإرادتهم فصلا عظيما من فصول المقاومة في مواجهة الغزو الفرنسي، بين عامي 1798 و1801 وقف المصريون، علماء وتجار وفلاحون وعامة الناس، في وجه جيش نابليون بونابرت، القائد الذي أرعب أوروبا، وأعلنوا بوضوح أن الأرض لا تباع وأن الهوية لا تنكسر مهما اشتد البطش.
ثورة القاهرة الأولى: لحظة الانفجار الكبير
عندما دخلت قوات الحملة الفرنسية أرض مصر في صيف 1798، حاول نابليون أن يقنع الناس أنه جاء ليحررهم من حكم المماليك، لكن الحقيقة ظهرت بسرعة، فرض ضرائب قاسية أرهقت الأهالي، واستولى على الممتلكات، وتجرأ على حرمة المساجد، حتى وصل الأمر إلى فرض ضريبة على أوقافها وتسجيل أملاك السكان، فاشتعل الغضب في القلوب.
في صباح 21 أكتوبر 1798، ارتفعت أصوات التكبير من مآذن جامع الأزهر، وانتشرت في شوارع القاهرة بسرعة مذهلة، خرج الناس من الأزقة والحارات، يتقدمهم شيوخ مثل الشيخ محمد الكوراني والشيخ أحمد الشرقاوي، لم يحملوا سلاحا متطورا، بل اعتمدوا على سيوف بسيطة وعصي وحجارة، وكان إيمانهم وغضبهم القوة الحقيقية التي دفعتهم إلى المواجهة.
تحولت شوارع القاهرة الضيقة إلى فخ قاتل للجنود الفرنسيين، قطع الثوار خطوط الإمداد، هاجموا المواقع الصغيرة، وجعلوا من الأزهر مركزا يجتمعون فيه وينظمون صفوفهم، وامتلأت المدينة بصوت التكبير وكأنها انتفضت دفعة واحدة دفاعا عن كرامتها ودينها.
لم ينتظر نابليون طويلا، من فوق قلعة الجبل أصدر أوامره بالقصف العنيف، فسقطت القذائف على بيوت الأزهر وأسقفه القديمة، وتحولت الشوارع إلى دماء وركام، واستمر القتال يومين كاملين، صمد خلالها الرجال والنساء والأطفال أمام جيش منظم يمتلك أحدث الأسلحة في ذلك الوقت.
في اليوم الثالث، 23 أكتوبر، هدأت أصوات القتال، سيطر الفرنسيون على المدينة بالقوة، ونفذ نابليون أحكام الإعدام في قادة الثورة أمام الناس، وفرض غرامات قاسية على الأهالي، لكن روح الثورة لم تنطفئ، بل زرعت بذرة وعي جديد في نفوس المصريين، ونمت فكرة رفض الخضوع في الأعوام التالية.
ثورة القاهرة الثانية: حصار الصمود الذي كسر الهيبة
بعد مغادرة نابليون مصر عام 1799 عائدا إلى فرنسا، تولى القيادة الجنرال جان باتيست كليبر، فزاد الضغط على الأهالي، ورفع الضرائب، وفرض التجنيد الإجباري، مما ضاعف الغضب، وعندما اقتربت القوات العثمانية من القاهرة، شعر الناس أن اللحظة المناسبة قد جاءت للانتفاض.
في 20 مارس 1800 اندلعت الثورة بشكل أقوى وأكثر تنظيما، قادها رجال من قلب الشعب مثل سعد الخراط ومحمد الألفي، وساندهم التجار وأهالي الأحياء، سيطروا بسرعة على بولاق والأزهر، وحاصروا القوات الفرنسية داخل القلعة ومنطقة الأزبكية، وأقاموا المتاريس في الشوارع، وقطعوا الإمدادات، وهاجموا بكل ما امتلكوا من أدوات بسيطة.
استمر الحصار أكثر من شهر، وتحولت القاهرة إلى ساحة قتال يومي، شارك فيه الجميع بلا استثناء، رجال ونساء يدافعون عن بيوتهم وكرامتهم، وصلت قوات عثمانية بقيادة نصوح باشا لدعمهم، لكن الخلافات أضعفت التنسيق وأثرت على مجريات المعركة.
رد كليبر بقصف عنيف دمر أحياء كاملة في بولاق، ومع ذلك استمر الأهالي في المقاومة رغم الجوع والخسائر، ولم يتراجعوا إلا بعد أن استنزفهم الحصار بشكل كامل.
في 21 أبريل 1800 انتهت الثورة بسقوطها، وأصدر كليبر أوامر بإعدام مئات من الثوار، وهدم منازل بولاق كعقاب جماعي، لكن صمود المصريين حطم صورة الاحتلال القوي في أعين الجميع.
وبعد أشهر قليلة، في يونيو 1800، نفذ الطالب الأزهري سليمان الحلبي عملية جريئة، عندما اغتال كليبر داخل مقره بطعنة مباشرة، فوجه ضربة قوية للحملة الفرنسية بأكملها.
رغم القمع والدمار الذي خلفته الثورتان، بقيت تلك الأحداث صرخة شعب حي أيقظت الوعي في مصر، وأثبتت أن إرادة الحرية والكرامة أقوى من أي قوة عسكرية، ومن بين أنقاض الأزهر وبولاق خرج جيل جديد حمل فكرة الوطن، وساهم في رسم ملامح تاريخ مصر الحديث.



