سر التقويم عند المصريين القدماء.. كيف حسبوا الزمن؟

لم يترك المصري القديم الزمن يسير بعشوائية، بل نظّمه في إطار دقيق يخدم تفاصيل حياته اليومية، فابتكر واحدًا من أقدم وأدق التقويمات الشمسية في التاريخ، معتمدًا على الملاحظة الفلكية والارتباط الوثيق بدورة نهر النيل والزراعة.
تقويم من قلب السماء
اعتمد المصريون القدماء على تقويم شمسي يتكون من 365 يومًا، في إنجاز علمي متقدم لزمنه، وقد توصلوا إلى هذا الرقم من خلال متابعة ظاهرة فلكية بارزة، وهي الشروق الاحتراقي لنجم الشعرى اليمانية، المعروف لديهم باسم «سوبدت»، والذي كان يظهر قبيل شروق الشمس مرة واحدة سنويًا، متزامنًا مع بداية فيضان النيل.
ومن خلال هذه الملاحظة الدقيقة، أدركوا أن الفترة الزمنية بين كل ظهور وآخر تبلغ نحو 365 يومًا، فاتخذوا هذا الرقم أساسًا لتقسيم السنة، التي قسمت بدورها إلى ثلاثة فصول رئيسية تعكس طبيعة حياتهم الزراعية: فصل الفيضان، فصل البذر (الإخصاب)، وفصل الحصاد.
تقسيم زمني متكامل
تم تقسيم السنة إلى 12 شهرًا، يتكون كل شهر من 30 يومًا، مع إضافة 5 أيام احتفالية في نهاية العام لاستكمال الدورة الزمنية، ولم يتوقف اهتمام المصري القديم عند هذا الحد، بل طور وسائل لقياس الوقت خلال اليوم، مثل الساعات الشمسية والمائية، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لحركة الشمس والظل وانسياب الزمن.
كما قسم الشهر إلى ثلاثة أسابيع، مدة كل منها عشرة أيام، وكان تحديد التاريخ يتم بدقة من خلال ذكر الفصل والشهر واليوم، في إطار نظام إداري وزراعي منظم.
إرث عبر العصور
يرى عدد من المؤرخين أن هذا التقويم يعتبر من أذكى إنجازات الحضارة المصرية، حيث انتقل لاحقًا إلى العالم الروماني عبر يوليوس قيصر، الذي أدخل عليه بعض التعديلات، قبل أن يطوره لاحقًا البابا جريجور الثالث عشر في القرن السادس عشر، ليصبح الأساس الذي يقوم عليه التقويم الميلادي المستخدم عالميًا في الوقت الحاضر.
ويشير المفكر عبد العظيم أنيس في كتابه “العلم والحضارة” إلى أن دقة هذا التقويم جاءت نتيجة جهود طويلة من الرصد والمقارنة، قام بها كهنة وعلماء مصر القديمة، حتى أصبح نظامًا زمنيًا استمر تأثيره لآلاف السنين.



