المزيدكتابنا
أخر الأخبار

د عبدالحليم قنديل يكتب: مفاجأة “ترامب” وخديعته البائسة

د عبدالحليم قنديل يكتب: مفاجأة “ترامب” وخديعته البائسة

قد نكون بصدد فاصل دبلوماسى فى حرب العدوان الأمريكى الصهيونى على إيران، وربما بصدد هدنة موقوتة تستمر شهرا، وذلك بحسب مقترح لإدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، نقلته رئاسة الوزراء الباكستانية مؤخرا إلى طهران، مع لائحة شروط أمريكية من 15 نقطة. يتعلق أغلبها بتفكيك البرنامج النووى الإيرانى، والوقف الصفرى لتخصيب اليورانيوم، وتسليم أكثر من 400 كيلوجرام يورانيوم مخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة لوكالة الطاقة الذرية الدولية، والوقف الكامل لعمل المفاعلات النووية فى نطنز وأصفهان وفوردو.

إضافة إلى ذلك، تتضمن الشروط تقييد البرنامج الصاروخى الإيرانى، والحد من مدى الصواريخ الباليستية بحيث لا تصل إلى كيان الاحتلال “الإسرائيلى”، وإنهاء دعم الجماعات الحليفة لإيران فى فلسطين ولبنان والعراق واليمن، والفتح الفورى لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وناقلات البترول وسفن الغاز ومشتقاته. وباستثناء المطلب الأخير المستجد، لا تبدو لائحة الطلبات الأمريكية جديدة، فهى ذاتها التى كانت مطروحة قبل شن الحرب الجارية صباح 28 فبراير 2026.

ولا يتصور أحد أن تقبل طهران بها، فقد رفضتها فى جولات مفاوضات مسقط وجنيف قبل الحرب، ولا يعقل أن تقبل بمناقشتها بعد أربعة أسابيع من القتال، أبدت فيها طهران صمودا لافتا. بل وطورت فى الأسبوع الرابع ضرباتها الصاروخية على كافة مناطق كيان الاحتلال وقواعده ومصانعه العسكرية، بدءا من موجة الصواريخ الإيرانية رقم 73، التى أدت لدمار مهول فى مدينتى عراد وديمونة فى منطقة النقب، وعلى مقربة من مفاعل ديمونة النووى.

 

مفاجأة “ترامب”

بدت فى هذه الضربات مقدرة الصواريخ “الفرط صوتية” و”الانشطارية” العنقودية المتفوقة على اختراق طبقات الدفاع الجوى والصواريخ الاعتراضية “الإسرائيلية” والأمريكية. وتكرر ذلك فى ضربات مصافى حيفا، وفى ضربات ركزت على قلب كيان الاحتلال فى تل أبيب الكبرى، إلى أن باتت إيران تتحدث بثقة عن كسبها لسيادة جوية صاروخية فى سماء الكيان.

وفى أجواء الغليان الحربى، خرج دونالد ترامب بإنذار كاسح إلى طهران، وأعطاها مهلة يومين لتدمير محطات الطاقة والكهرباء فى عموم إيران. ولم ينس أن يكرر تصريحاته الصاخبة، مدعيا أنه “محو إيران من الخرائط بالكامل”، وأنها لم تعد تملك قوات جوية أو بحرية أو دفاعات جوية، وأن قادتها قتلوا جميعا.

لكن قبل انتهاء المهلة، فاجأ الجميع بالاتجاه المعاكس، معلنا أنه وجد “القادة المناسبين” فى طهران، وأن إدارته أجرت معهم مفاوضات جادة وبناءة. وقرر مد المهلة إلى خمسة أيام أخرى، مع ترتيب جولة مفاوضات جديدة فى إسلام أباد، قيل إنها ثمرة وساطات من مصر وتركيا وباكستان. غير أن ما سماه “مفاوضات مفصلة” بدا مجرد اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء، وهو ما أكدته الردود الإيرانية التى نفت قطعيا إجراء أى مفاوضات مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

ثلاثة مطالب إيرانية

بلغت السخرية الإيرانية من تصريحات دونالد ترامب ذروتها، حين علق مقر “خاتم الأنبياء” الحربى بالقول إن “ترامب ربما كان يفاوض نفسه”. فى الوقت ذاته، كشفت تقارير إعلامية عن اتصالات هاتفية بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف، عرض خلالها عراقجى ثلاثة مطالب إيرانية: وقف إطلاق النار، وتعهد أمريكى بعدم العودة للحرب، ودفع تعويضات لإيران.

فى المقابل، واصل ترامب الإيحاء بتواصله المباشر مع قيادات إيرانية، ليس من بينها المرشد الجديد مجتبى خامنئي. وقد نُسب إلى عراقجى قوله إن المفاوضين الإيرانيين حصلوا على موافقة ومباركة المرشد، “ما دامت الشروط الإيرانية ستُلبى”.

المعنى هنا أن أى قرار فى إيران، سواء فى الحرب أو التفاوض، لا يخرج عن إطار الطاعة للمرشد. فهذه هى القاعدة الأساسية للنظام، الذى يمثل فيه مجتبى خامنئى جوهر الاستمرارية، مع ميل واضح نحو التشدد، خاصة فى ظل علاقاته الوثيقة مع مؤسسة الحرس الثورى، التى تقود المواجهة العسكرية الحالية.

زعيم بديل

أما ما أثير عن “زعيم بديل” تواصل معه دونالد ترامب، والذى رجحت تقارير أنه محمد باقر قاليباف، فقد نفى ذلك علنا. وقاليباف قيادى بارز فى الحرس الثورى، وقائد سابق للقوة الجوية، وله دور فى تطوير البرنامج الصاروخى الإيرانى.

وقد برز أيضا اسم محمد باقر ذو القدر الذى عُين خلفا للراحل علي لاريجاني فى مجلس الأمن القومى، بعد اغتيال الأخير بغارة إسرائيلية. ويعكس هذا التعيين اتساع دائرة الاختيارات داخل النظام، وترسيخ مؤسساته، مع بقاء مؤسسة المرشد فوق جميع السلطات بصلاحيات واسعة.

وفى ظل قيادة مجتبى خامنئى، تتشكل نسخة جديدة من النظام الإيرانى، تبدو أكثر حيوية وتشددًا. وقد جاء اختبارها فى ظرف بالغ القسوة، عقب اغتيال المرشد السابق، وهو ما ظنته واشنطن وتل أبيب بداية لانهيار النظام، غير أن التطورات أثبتت العكس تماما.

القيادة الإيرانية

تصورت دوائر فى بنيامين نتنياهو أن اغتيال القيادة الإيرانية سيفجر ثورة داخلية تقضى على النظام، وهى الفكرة التى ساهمت فى دفع دونالد ترامب نحو خيار الحرب. لكن ما حدث كان مغايرا، إذ خرجت حشود شعبية داعمة للنظام، وتمت إعادة ترتيب القيادة بسرعة، وبدأت إيران الرد العسكرى بفاعلية.

كما نجحت فى إلحاق أضرار كبيرة بالبنية الدفاعية للخصوم، وفتحت ثغرات فى منظوماتهم الجوية، مع الحفاظ على مخزونها الصاروخى واستخدامه بتدرج محسوب. وقد أتاح ذلك توجيه ضربات مؤثرة إلى عمق كيان الاحتلال.

وقد يُقال إن ترامب يمارس خداعا استراتيجيا عبر طرح المفاوضات، لكسب الوقت تمهيدا لغزو برى. لكن هذه الفرضية تبدو محل شك، إذ إن غزو دولة بحجم إيران يتطلب قوات ضخمة، قد تصل إلى مليون جندى، وهو ما لا يبدو أن واشنطن مستعدة لتحمله. وقد لخص علي أكبر أحمديان الموقف برد مقتضب على تحركات القوات الأمريكية قائلا: “اقتربوا”.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى