المزيد

قبيلة «التوراجا» في أندونسيا.. حكاية شعب يرفض وداع أحبائه

أميرة جادو

في منطقة نائية ومعزولة تمامًا عن العالم، خلف الغابات الكثيفة والجبال المرتفعة في إندونيسيا، تعيش قبائل لها نظرة مختلفة تمامًا تجاه الموت، حيث ترفض فكرة وداع أحبائها بالشكل التقليدي، إنهم قبائل “التوراجا”.

فلسفة الموت والجنازة

يتعامل شعب التوراجا مع الموت باعتباره الحدث الأهم في حياة الإنسان، إذ يمتلكون ثقافة فريدة لا تشبه أي ثقافة أخرى في العالم، حيث تتحول الجنازة لديهم إلى احتفال يستمر لمدة 5 أيام، يحتفون خلالها بالحياة الجديدة للمتوفى بدلاً من الحزن عليه، ويشارك في هذا الحدث سكان القرى المجاورة والأقارب، وتعتبر هذه الجنازات من بين الأكثر تكلفة على مستوى العالم.

ولا تعني الجنازة لدى هذه القبيلة أن الوفاة حدثت حديثًا، فقد يكون الشخص متوفى منذ أسبوع أو شهر، وربما عام أو حتى عشر سنوات، إذ يختلف توقيت إقامة مراسم الدفن وفقًا لقدرة كل عائلة على تجهيز متطلبات الجنازة.

الميت “مريض حتى إشعار آخر”

تنظر قبيلة التوراجا إلى الموت على أنه مجرد حالة مرضية مؤقتة، فيبقى المتوفى داخل منزله مع أسرته، حيث يتم تغيير ملابسه يوميًا، وتقديم الطعام والشاي والسجائر له، أما عدم تحلل الجثة فيعود إلى استخدام مادة الفورمالين التي تُستخدم في التحنيط، مما يمنع التعفن أو انبعاث الروائح، إلى أن يحين موعد الجنازة التي تعد من أغلى الطقوس في العالم.

وفي كل منزل تقريبًا لدى قبيلة التوراجا، يوجد متوفى يقيم في غرفته الخاصة، توضع بجانبه متعلقاته وملابسه المفضلة، ويعامل على أنه مريض، حيث يزوره أفراد العائلة ويحضرون له السجائر، ولا يتم الاعتراف بوفاته إلا عند موعد الجنازة.

طقوس التشييع

تقوم أسرة المتوفى بنقل الجثمان إلى مبنى أعد خصيصًا لمرحلة ما قبل الدفن، حيث يظل فيه لمدة 5 أيام.

وخلال الجنازة، توزع عائلة المتوفى كميات كبيرة من السجائر على الحضور كنوع من الهدايا، كما يتم دفن بعضها مع الجثمان، نظرًا لأهميتها الكبيرة لديهم في الحياة وبعد الموت.

ويعرف يوم العزاء لديهم بيوم قتال الجواميس أو “تناطح رؤوس الماشية”، وهو من أكبر الأحداث في المنطقة، حيث تتنافس الفرق في مواجهات تشبه مصارعة الثيران، ويقوم المشاركون بالمراهنة على الحيوان الفائز.

كما يقدم أقارب المتوفى الأبقار والجاموس كقرابين لعائلته، ويعد الجاموس الأبيض الأكثر قيمة وغلاء، بالإضافة إلى ذبح الخنازير ضمن الطقوس.

ويشارك أطفال العائلة في تقديم عروض موسيقية تعبيرًا عن الحب والتقدير للمتوفى، تأكيدًا على الترابط بين الأجيال.

أما الكبار، فيؤدون رقصة “الناقادونجي”، وهي رقصة تعبيرية تجسد الحزن وشجاعة المتوفى خلال حياته، كما تعبر عن التلاحم بين الأحياء وأرواح الراحلين.

وفي اليوم الثالث من الجنازة، يتم ذبح الأبقار والجاموس بطريقة قاسية، إذ يعتقدون أن هذا الطقس يساعد في انتقال روح المتوفى إلى عالم الأرواح المعروف باسم “البويا”، كما تستخدم قرون الحيوانات المذبوحة في تزيين منزل المتوفى.

أما اليوم الأخير، فهو يوم وداع الجثمان، ويعد من أغرب الطقوس، حيث يتم حمل النعش والرقص به، ولا يتم دفن المتوفين في المقابر التقليدية إلا إذا كانت العائلة مسلمة، بينما يتم وضع الآخرين في كهوف مخصصة، إذ تعتبر التوراجا معتقدًا ثقافيًا وليس ديانة، لذلك يوجد بينهم مسلمون.

وفي الجبال، توجد كهوف مخصصة لتجميع الموتى، حيث يوضع أصحاب المكانة الاجتماعية العالية في أعلى القمم، ويتم نحت تماثيل تمثلهم توضع بجوارهم، بينما يتم وضع الآخرين في مستويات أقل وفقًا لمكانتهم، كما يتم إخراج الجثامين كل 5 سنوات لتغيير ملابسها والتقاط الصور معها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى