تاريخ ومزارات

العيدية.. حكاية عادة بدأت من القصور ووصلت إلى قلوب الأطفال

أميرة جادو 

ينتظر الأطفال والشباب مع حلول أيام عيد الفطر ما يعرف بـ”العيدية”، تلك العادة التي يحرص الأكبر سنًا على تقديمها للصغار، خاصة من الآباء والأمهات والأقارب، وفق تقليد اجتماعي متوارث، ولا يقتصر انتظارها على عيد الفطر فقط، بل يمتد كذلك إلى عيد الأضحى، ضمن طقوس دينية واجتماعية اعتاد عليها المسلمون في مختلف أنحاء العالم.

لكن يبقى التساؤل قائمًا: ما الجذور التاريخية للعيديّة؟ وكيف بدأت هذه العادة، ومتى ظهرت لأول مرة؟

أصل التسمية

تفيد بعض الروايات التاريخية بأن لفظ “عيديّة” مشتق من كلمة “عيد”، والتي تحمل معنى المنح والعطاء، وهو تعبير جرى تداوله بين الناس حتى أصبح مصطلحًا شائعًا.

البدايات في العصر الفاطمي

تشير المصادر إلى أن ظهور العيدية يعود إلى العصر الفاطمي في مصر، وتحديدًا في أواخر القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، حيث اعتاد الخلفاء آنذاك توزيع النقود والملابس على عامة الناس.

ولم تكن تعرف باسمها الحالي فقط، بل أطلقت عليها تسميات أخرى مثل “الرسوم” و”التوسعة”، وكانت تقدم للأمراء في صورة دنانير ذهبية، بينما يحصل الأطفال على الهدايا والنقود.

طقوس احتفالية مميزة

يوثق مؤرخو العصر الفاطمي، ومنهم الأمير عز الملك المسبحي وتقي الدين المقريزي، تفاصيل الاحتفالات التي كان يقيمها الخلفاء في الأعياد، حيث كانت العيديّة تمثل هبة مستقلة عن سائر الشعائر.

وقد بدأ هذا التقليد منذ عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، الذي سعى إلى كسب ود المصريين مع بداية حكمه، فأمر بإعداد الموائد وتوزيع الحلوى والهدايا والنقود، إلى جانب تجهيز الكسوة قبل العيد بفترة تصل إلى شهر ونصف.

وقد بلغت تكلفة صناعة الكسوة في القرن السادس الهجري نحو عشرين ألف دينار ذهبي، كانت توزع على رجال الدولة وعامة الناس، في مشهد يعكس حجم الاهتمام بهذه المناسبة.

شهادات تاريخية

أوضح أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتور أيمن فؤاد، في حديثه، أن العديد من مظاهر الاحتفال الديني تعود إلى العصر الفاطمي في مصر، مشيرًا إلى أن المسلمين كانوا يحتفلون أساسًا بعيدين فقط هما الفطر والأضحى، قبل أن يضيف الفاطميون العديد من المواسم والطقوس.

وأوضح أن مفهوم العيدية بصيغته الحالية لم يكن معروفًا آنذاك، إلا أن مظاهره كانت حاضرة، حيث كان يتم تقديم أطباق من الحلوى تتوسطها صُرّة من الذهب لأفراد القصر ومن حولهم، فيما عُرف باسم “التوسعة”، وهي صورة مبكرة لما أصبح لاحقًا العيديّة.

كما أضاف أن الفاطميين ابتكروا “دار الفطرة” لتوزيع الكعك، إلى جانب توزيع الكسوة وإقامة الأسمطة، وهي موائد الطعام التي كانت تمد في قاعة الذهب داخل القصر، ثم توزع على الناس في أول أيام العيد.

من القصور إلى عامة الناس

عرف عن الفاطميين إطلاق اسم “العيدية” على هذا التقليد، حيث كان الخليفة يمنح دراهم فضية للفقهاء والقراء والمؤذنين بعد ختم القرآن ليلة العيد.

كما تشير بعض الروايات إلى أن الملوك أنفسهم كانوا يتلقون هدايا في الأعياد من رجال بلاطهم، إذ يذكر ابن دحية أن الناس كانوا يهدون السلطان المعتمد ابن عباد في يوم العيد ما يليق بالملوك.

أشكال متعددة واسم واحد

ورغم أن العيدية كانت تشمل أنواعًا مختلفة من الهدايا مثل الألعاب والحلوى والملابس، فإنها مع مرور الوقت أصبحت تشير غالبًا إلى المبلغ المالي الذي ينتظره الكثيرون خلال الأعياد.

اختلاف المسميات عربيًا

تحمل العيدية أسماء متعددة في الدول العربية، إذ تعرف بهذا الاسم في مصر والأردن وسوريا والعراق والكويت، بينما تسمى في سلطنة عمان “العيّود”.

وفي بعض مناطق السعودية تعرف بأسماء مثل “الحوامة” و”الخبازة” و”الحقاقة” و”القرقيعان”، خاصة في المنطقة الشرقية.

أما في دول المغرب العربي، فتسمى في تونس “مهبة العيد”، وفي المغرب تعرف باسم “فلوس العيد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى