تاريخ ومزارات

آصف بن برخيا الرجل الذي انتصر بالعلم لا بالقوة

آصف بن برخيا رجل صالح ورد ذكره في تفسير القرآن الكريم، واشتهر بقصته مع نبي الله سليمان عليه السلام عندما أحضر عرش ملكة سبأ في لحظة خارقة، هذه القصة حملت معاني عظيمة في الإيمان والعلم والتوكل، وتستحق أن نتأملها بهدوء لنعرف دلالاتها الحقيقية.

من هو آصف بن برخيا

جاءت القصة في سورة النمل، حين أراد سليمان عليه السلام إحضار عرش ملكة سبأ قبل أن تصل إليه، فقال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، ثم قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا.

 

تذكر كتب التفسير أنه كان رجلًا صالحًا، وكان وزيرًا أو كاتبًا لسليمان، وقيل إنه كان من خاصته والمقربين إليه، كما ذكرت الروايات أنه كان يعلم اسم الله الأعظم، وأغلب الأقوال تؤكد أنه لم يكن نبيًا بل رجل مؤمن عابد بلغ درجة عالية من العلم والإيمان.

 

عندما عرض الجن قدرتهم على إحضار العرش في وقت قصير، أعلن آصف أنه يستطيع إحضاره قبل أن يرتد طرف سليمان إليه، أي في لمح البصر، فدعا الله باسم من أسمائه العظمى، وقيل إن الأرض طويت له، فانتقل العرش من اليمن إلى فلسطين في لحظة، فلما رآه سليمان مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، وهنا تظهر عظمة القصة، لأن الحدث لم يكن استعراض قوة بل كان اختبار شكر واعتراف بالفضل لله.

 

اختلف العلماء في معنى علم من الكتاب، فقال بعضهم إنه علم باسم الله الأعظم، وقال آخرون إنه علم بكتاب سماوي سابق، وذكر فريق ثالث أنه علم خاص أودعه الله فيه، لكن المعنى الجامع أن آصف لم يكن ساحرًا ولا صاحب طلاسم، بل كان صاحب علم مقرون بإيمان صادق.

 

وردت القصة في القرآن دون ذكر اسمه صراحة، أما اسم آصف بن برخيا فجاء في كتب التفسير مثل تفسير الطبري وتفسير ابن كثير، أما تفاصيل كيفية انتقال العرش فدخلت فيها بعض الروايات الإسرائيلية، لذلك يلتزم العلماء بما وافق نص القرآن ويتوقفون عما سواه.

 

يرجح أغلب العلماء أنه كان إنسانًا، لأن الآية فرقت بوضوح بين عفريت من الجن وبين الذي عنده علم من الكتاب، ولو كان من الجن لما ظهر هذا التفريق في السياق القرآني.

 

تحمل القصة رسائل عميقة، تؤكد أن القوة الحقيقية ليست في الجسد بل في العلم، وأن العلم إذا اقترن بالإيمان صار سببًا لكرامة عظيمة، كما تبين أن الكرامة ليست هدفًا يسعى إليه الإنسان، بل نتيجة طبيعية للإخلاص والصدق، وأن أعظم الناس ليس من يملك النفوذ والقوة، بل من يعرف الله حق المعرفة.

 

يمثل آصف بن برخيا نموذجًا لرجل لم يذكر اسمه في القرآن صراحة، لكنه بلغ منزلة عظيمة عند الله، لم يكن نبيًا ولا ملكًا، لكنه وصل إلى مرتبة علم من الكتاب، وفي زمن يعلو فيه الضجيج ويكثر فيه الادعاء، يبقى أهل العلم الحقيقي هم الأشد تأثيرًا ولو لم يعرفهم الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى