السلطان الذي واجه المال بالثبات وحمى القدس حتى اللحظة الأخيرة

في أواخر القرن التاسع عشر دخلت الدولة العثمانية مرحلة صعبة من تاريخها، حيث تراكمت الديون عليها وضغطت عليها الدول الأوروبية سياسيًا واقتصاديًا، واستغلت الحركة الصهيونية هذا الضعف المالي لتحاول فتح باب جديد يمكنها من الوصول إلى فلسطين، في ذلك الوقت قاد تيودور هرتزل الحركة الصهيونية، وتحرك بخطة واضحة تقوم على إقناع السلطان العثماني بالسماح لليهود بإقامة وطن لهم في فلسطين، معتمدًا على الإغراء المالي والدعم الدولي كورقة ضغط قوية.
من هو السلطان الذي حمى القدس
كان السلطان الذي يحكم آنذاك هو عبد الحميد الثاني، أحد آخر السلاطين الأقوياء في الدولة العثمانية، والذي أدرك حجم التحديات التي تواجه دولته داخليًا وخارجيًا، وكان يعلم أن أي قرار يتعلق بفلسطين لن يكون قرارًا عاديًا، بل سيغير خريطة المنطقة بالكامل، لذلك تابع التحركات الصهيونية بدقة، وقرأ ما بين السطور قبل أن يتخذ موقفه النهائي.
سافر هرتزل إلى إسطنبول أكثر من مرة، وحاول الوصول إلى السلطان عبر وسطاء من رجال الدولة والشخصيات المؤثرة، وقدم عرضًا ضخمًا تضمن دفع ملايين الجنيهات الذهبية للدولة العثمانية، والمساهمة في تسديد جزء كبير من ديونها، ودعمها ماليًا داخل أوروبا، إضافة إلى ضخ استثمارات كبيرة في أراضي الإمبراطورية، وكان الهدف واضحًا، الحصول على إذن رسمي يسمح بهجرة اليهود إلى فلسطين وتأسيس كيان لهم هناك تحت مظلة الدولة العثمانية.
اعتقد هرتزل أن الأزمة المالية الخانقة ستجعل السلطان يميل إلى قبول العرض، خاصة أن الدولة كانت تواجه ضغوطًا اقتصادية وسياسية متزايدة، لكنه أخطأ في تقدير شخصية عبد الحميد الثاني، الذي نظر إلى الأمر من زاوية أوسع بكثير من مجرد أموال أو ديون.
جاء رد السلطان حاسمًا وقاطعًا، وأعلن موقفه الشهير الذي بقي حاضرًا في الذاكرة التاريخية، مؤكدًا أنه لا يستطيع أن يبيع ولو شبرًا واحدًا من أرض فلسطين، لأنها ليست ملكًا شخصيًا له بل ملك الأمة الإسلامية التي روتها بدمائها عبر القرون، كما شدد على أنه ما دام حيًا فلن يسمح بانتزاع فلسطين بثمن أو بغير ثمن، وأوضح أن أي تنازل اليوم سيفتح الباب لتفكك أكبر غدًا.
لم يكن الرفض مجرد موقف عاطفي، بل استند إلى عدة اعتبارات واضحة، أولًا اعتبر السلطان القدس أرضًا إسلامية مقدسة تضم المسجد الأقصى، ورأى أن التفريط فيها يتعارض مع مسؤوليته الدينية والتاريخية، ثانيًا خشي من قيام كيان أجنبي داخل الأراضي العربية، لأن ذلك سيخلق بؤرة صراع دائم ويضعف وحدة الدولة، ثالثًا أدرك أن المشروع الصهيوني يحظى بدعم قوى أوروبية كبرى، وأن السماح له بالتمدد قد يؤدي إلى تسارع انهيار الدولة العثمانية.
بعد أن رفض العرض، اتخذ السلطان خطوات عملية لحماية فلسطين، ففرض قيودًا صارمة على هجرة اليهود إليها، ومنع بيع الأراضي لليهود الأجانب، وسمح فقط بإقامة مؤقتة للزائرين، كما تابع نشاط الحركة الصهيونية وراقب تحركاتها بدقة، ومع ذلك استمرت بعض الهجرات بطرق غير رسمية، مستفيدة من الثغرات الإدارية والضغوط الدولية.
تغير المشهد بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، حيث ضعفت القيود التي فرضها سابقًا، وبدأت الهجرة اليهودية تتزايد تدريجيًا، ثم سقطت الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وسيطرت بريطانيا على فلسطين، وأصدرت وعد بلفور الذي تعهد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ليتحول المشروع الذي رفضه السلطان في نهاية القرن التاسع عشر إلى واقع سياسي جديد بعد عقود قليلة، ثم قامت دولة إسرائيل عام 1948.
يرى معظم المؤرخين أن هرتزل حاول فعلًا إقناع السلطان، وأن عبد الحميد الثاني رفض المشروع بشكل واضح، بينما تختلف الروايات حول حجم المبالغ التي عرضت، إذ يشير بعض الباحثين إلى أن الأرقام المتداولة قد تحمل قدرًا من المبالغة، ومع ذلك يبقى موقف السلطان واحدًا من أبرز المواقف السياسية المبكرة التي واجهت المشروع الصهيوني بالرفض الصريح، ويظل اسمه مرتبطًا برفض بيع القدس مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت الإغراءات.



