في ذكرى رحيله.. تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة الزعيم مصطفى كامل

أميرة جادو
تمر اليوم ذكرى رحيل الزعيم الوطني مصطفى كامل، باعث الحركة الوطنية وصاحب لواء الكفاح السياسي في مصر، إذ غادر عالمنا في مثل هذا اليوم 10 فبراير عام 1908، بعد صراع طويل مع المرض قاومه بإصرار حتى غلبه، ففاضت روحه إلى بارئها، وبهذه المناسبة، نعود إلى أيامه الأخيرة، كما وثقها الكاتب طاهر الطناحي في كتابه «الساعات الأخيرة»، كاشفًا تفاصيل إنسانية ووطنية مؤثرة من حياة زعيم لم يعرف الاستسلام.
مصطفى كامل.. زعيم قاوم المرض كما قاوم الاحتلال
يروي طاهر الطناحي في كتابه أنه في صيف عام 1907 شد مصطفى كامل الرحال إلى أوروبا طلبًا للعلاج ومواصلة الجهاد، وكانت تلك الرحلة هي الأخيرة في حياته.
هناك، بدأ يشعر بتفاقم المرض، فصارح المسيو أدولف أدرير، مراسل صحيفة «الاتيندار» في باريس، قائلًا إنه يحس بعودة المرض إليه، متسائلًا عما إذا كان سيعيش حتى يرى أول ثمرة لجهوده، معبرًا عن أمله في أن يمهل وقتًا كافيًا للغرس، حتى يجني الآخرون حصاد كفاحه.
كانت تلك الأمنية تعبيرًا صادقًا عن إحساسه بدنو الخطر. وحين عاد إلى مصر في أكتوبر 1907، استقبله الشعب بأسمى مظاهر التقدير والإعجاب، عندها، رأى أن يدعم مسيرته الوطنية قبل الرحيل، فسعى إلى تأسيس الحزب الوطني.
وفي أول اجتماع جمعه برفاقه للبحث في أمر تأسيس الحزب، بدا عليه الإرهاق، ولاحظ الحاضرون آثار الضعف واضحة على ملامحه.
خطاب زيزينيا التاريخي.. أربع ساعات من الحماسة قبل الرحيل
كما ظل مصطفى كامل يصارع العلة ويقاوم الألم ليواصل رسالته في تحرير مصر من الاحتلال.
وجاء خطابه التاريخي الحماسي الذي ألقاه في 22 أكتوبر على مسرح زيزينيا بالإسكندرية، قبل وفاته بنحو أربعة أشهر، ليكون ذروة عطائه.
واستمر الخطاب أربع ساعات متواصلة، استنزف خلالها من صحته وجهده ما أثار قلق أصدقائه، وخشيتهم من أن يكون ذلك الخطاب وداعًا أخيرًا.
ضمن الزعيم في كلمته آماله ومبادئه، وفند بقوة حجج خصومه، ووجه نداءه الخالد إلى المصريين، حاثًا إياهم على العمل الدؤوب لاستعادة مجد مصر القديم، حتى تعود كما كانت سيدة بين الأمم.
ويضيف الطناحي في «الساعات الأخيرة» أن مصطفى كامل ألقى هذا الخطاب في أكتوبر 1907، وكان يستشعر قرب أجله، مشيرًا إلى رسالة بعث بها في سبتمبر من العام نفسه إلى شقيقه علي فهمي كامل من باريس، شكا فيها وهن جسده واشتداد آلام الأمعاء، متنبئًا بقصر حياته واقتراب نهايته.
مصطفى كامل.. روح لا تهزمها العلة ولا يوقفها الألم
وعلى الرغم من تفاقم آلامه ونحول جسده، لم يتوقف مصطفى كامل عن العمل ليلًا ونهارًا، محتفظًا بروح فتية وعزيمة صلبة، لم يقعده الضعف عن المضي قدمًا، ولم يصرفه المرض عن الاستبسال في الدفاع عن قضيته، إذ جمع بين كفاحه ضد خصوم وطنه، وكفاحه ضد راحته وضعف جسده.
لم يرفق بنفسه حتى بدا كأنه روح تسكن هيكلًا عظميًا، أو كأن كيانه كله أصبح روحًا نابضة تتحرك وتعمل بلا جسد. وإذا كان نهوضه الوطني في ذلك العصر نادرًا، ونبوغه السياسي بين الشباب استثنائيًا، ونشاطه وتفانيه في حب الوطن مثالًا فريدًا، فلا غرابة أن يمنح روحًا نادرة فرضت إرادتها على الزمن، وتغلبت على المصاعب، وبقيت قوية سواء صمد الجسد أو وهن وتلاشى.
واجه مصطفى كامل المرض مرات عدة وانتصر عليه، وتماثل للشفاء، فانتعشت آمال محبيه، لكنه في أوائل يناير 1908 عاد يشعر بتعب شديد في المعدة إلى جانب معاناته من أمراض الأمعاء والكلى. نصحه الأطباء بالالتزام بالفراش، وأدرك الزعيم الشاب أن مرضه يخفي شبح الموت، وأن روحه القوية لن تقوى على مجابهة هذا الداء الفتاك، ومع ذلك، استجاب للنصيحة واعتكف على فراشه، أملًا في أن يمد الله في عمره أيامًا قليلة يواصل فيها خدمة أمته.
كما يؤكد طاهر الطناحي أنه في يوم السبت 8 فبراير، قبل وفاته بيومين، زاره الخديوي عباس حلمي الثاني. فنهض له مصطفى كامل من فراشه واستقبله بترحاب ونشاط، كأن العلة قد فارقته.
وعند الوداع، قال للخديوي إنه يشعر بقرب أجله، راجيًا منه أن يرعى الحزب الوطني، باعتباره أمل مصر، مذكرًا بما تحقق من نجاحات في قضية دنشواي، ورحيل اللورد كرومر، وتغيير وزارة مصطفى فهمي، وإنشاء مجالس المديريات، والانتصار لتركيا في مسألة طابا. فطمأنه الخديوي، وتمنى له طول العمر.
مسكينة يا مصر.. الكلمات الأخيرة لزعيم الأمة
في العاشرة من صباح الاثنين 10 فبراير 1908، دخل عليه شقيقه علي فهمي، ورفيقه محمد فريد، وبعض من أصحابه.
سألوه عن حالته الصحية فطمأنهم، وجلس يتبادل الحديث معهم، لكنه لم يستطع الاستمرار طويلًا. لاحظوا تغير لون وجهه، وجمود عينيه، وشرود ذهنه، فاستبد بهم القلق وسألوه عن ألمه، فأجابهم بهدوء: «لا شيء، لا تخافوا».
ثم التفت إلى محمد فريد، وقال له مشجعًا: «تشجع يا فريد، واستمر في عملك بحكمة، ليسهل علينا بلوغ الأمل». وبعد هذه الكلمات، لزم الصمت وكاد يغيب عن الوعي، ثم أفاق قليلًا مرددًا: «مسكينة يا مصر!!»، وظل يكررها، لتكون آخر ما نطق به، أعقب ذلك تشنج لم يفق منه، وصعدت روحه إلى عالم الخلود في منتصف الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم الحزين.



