“الشلوخ” بين الجمال والانتماء.. عادة قبلية سودانية اندثرت تحت ضغط الحداثة
أسماء صبحي – بعض مناطق السودان خاصة في الشمال والوسط، شكلت عادة الشلوخ واحدة من أبرز الممارسات القبلية التي ارتبطت بالهوية والانتماء والجمال لعقود طويلة. قبل أن تبدأ في التراجع والاختفاء مع تغير المفاهيم الاجتماعية والصحية. وهذه العادة، التي تقوم على إحداث ندوب دائمة على الوجه، لم تكن تمارس بدافع التشويه كما قد ينظر إليها اليوم، بل كانت تحمل معاني عميقة داخل المجتمعات القبلية.
ترسم علامات هذه العادة على وجوه الأطفال.غالبًا في سن مبكرة، باستخدام أداة حادة تحدث جروحًا تلتئم لاحقًا تاركة خطوطًا واضحة ودائمة. وكان لكل قبيلة نمطها الخاص في هذه الندوب، سواء من حيث عدد الخطوط أو اتجاهها أو موضعها على الوجه. ما جعلها بمثابة “بطاقة تعريف” فورية تحدد الانتماء القبلي للفرد دون الحاجة إلى سؤال أو وثيقة.
جذور عادة الشلوخ
ترجع أصول هذه العادة إلى قرون بعيدة، حيث ارتبطت بمجتمعات لم تكن تعتمد على السجلات المكتوبة. فكان الجسد نفسه وسيلة للتعريف والانتماء. في ذلك السياق، لعبت الشلوخ دورًا اجتماعيًا مهمًا، إذ ساعدت في تعزيز التماسك داخل القبيلة ورسخت شعور الفرد بأنه جزء من كيان أكبر يحميه ويدعمه.
لم تكن العملية تنفذ بشكل عشوائي، بل كانت تجرى في طقس شبه احتفالي يتولاه شخص معروف في المجتمع بخبرته في هذا النوع من الممارسات. وغالبًا ما كانت ترافقها أغاني شعبية أو عبارات تشجيع لتخفيف الخوف عن الأطفال، في مشهد يجمع بين الألم الجسدي والفخر الاجتماعي.
الجمال بمعايير مختلفة
وفقًا للموروث الشعبي، اعتبرت هذه العادة رمزًا للجمال والقوة والشجاعة خصوصًا لدى النساء. وكانت بعض العائلات ترى أن هذه العلامات تزيد من جاذبية الفتاة وترفع من مكانتها الاجتماعية بل وتعزز فرص زواجها داخل محيطها القبلي. أما لدى الرجال، فكانت الشلوخ تفسر على أنها دليل صلابة وقدرة على التحمل.
هذا الفهم للجمال وإن بدا غريبًا اليوم، كان متسقًا مع البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأت فيها العادة. حيث لم يكن المظهر محكومًا بمعايير عالمية، بل بقيم محلية متوارثة.
بداية الاندثار وتغير النظرة
مع تطور التعليم وانتشار الوعي الصحي، بدأت النظرة إلى هذه العادة تتغير تدريجيًا. وباتت كثير من العائلات ترى في هذه الممارسة خطرًا صحيًا غير مبرر خاصة مع احتمالات العدوى والتشوهات الدائمة. كما ساهم الاحتكاك بالعالم الخارجي ووسائل الإعلام الحديثة في إعادة تشكيل مفاهيم الجمال والهوية.
أصبح جيل جديد من السودانيين ينظر إلى هذه العادة بوصفها عادة قاسية لا تتماشى مع العصر. بينما فضل آخرون الاحتفاظ بها فقط كجزء من الذاكرة الثقافية، لا كممارسة حية. ونتيجة لذلك، تراجعت هذه العادة بشكل ملحوظ، ولم تعد تمارس إلا في نطاقات ضيقة جدًا.
في هذا السياق، يقول الدكتور أحمد الطيب، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الخرطوم، إن الشلوخ تمثل نموذجًا واضحًا لكيفية استخدام الجسد كوسيلة للتعبير عن الهوية في المجتمعات التقليدية. ويوضح أن هذه الممارسات لا يمكن الحكم عليها بمعايير العصر الحديث فقط بل يجب فهمها ضمن ظروفها التاريخية والاجتماعية. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن تطور المجتمعات يستدعي التخلي عن العادات التي تلحق ضررًا جسديًا بالأفراد، خاصة الأطفال.



