التويزة.. عادة قبلية أمازيغية تحفظ روح التضامن في جبال المغرب
أسماء صبحي – في القرى الجبلية النائية بالمغرب، لا سيما في مناطق الأطلس المتوسط والكبير. لا تزال بعض العادات القبلية القديمة حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، ومن أبرزها عادة تعرف باسم “التويزة”. وهي شكل من أشكال العمل الجماعي التطوعي الذي يجسد روح التعاون والتكافل داخل المجتمع القبلي الأمازيغي.
ما هي التويزة؟
هي تقليد اجتماعي قديم يقوم على تكاتف أفراد القبيلة أو القرية لإنجاز عمل شاق أو جماعي دون مقابل مادي. مثل بناء المنازل الطينية، أو جني المحاصيل الزراعية، أو حفر قنوات الري، أو حتى مساعدة أسرة فقدت عائلها. وينظر إلى المشاركة في التويزة باعتبارها واجبًا أخلاقيًا واجتماعيًا، وليس خيارًا شخصيًا.
الجذور القبلية للعادات الجماعية
نشأت هذه العادة في سياق بيئي صعب، حيث فرضت الطبيعة الجبلية القاسية على السكان نمط حياة يعتمد على التعاون المشترك من أجل البقاء. فغياب الإمكانيات المادية ووعورة التضاريس جعلا من العمل الفردي أمرًا شبه مستحيل. مما دفع القبائل الأمازيغية إلى ترسيخ ثقافة “اليد في اليد” كقاعدة للحياة.
وكانت هذه العادة تعد أحد أركان النظام القبلي، إلى جانب العرف والقضاء العشائري. إذ تسهم في الحفاظ على التوازن الاجتماعي وتقليل الفوارق بين الأسر.
كيف تمارس العادة؟
عندما تحتاج أسرة ما إلى مساعدة، يعلن شيوخ القرية أو وجهاؤها موعد التويزة، فيتوافد الرجال والنساء كل حسب دوره. الرجال يتولون الأعمال الثقيلة كالبناء والحفر، بينما تتكفل النساء بإعداد الطعام الجماعي وتقديم الدعم اللوجستي.
وتتحول أيام التويزة إلى مناسبات اجتماعية كاملة، تتخللها الأهازيج الشعبية والأغاني الأمازيغية التي تشجع على العمل وتضفي طابعًا احتفاليًا على الجهد الجماعي.
البعد الاجتماعي والإنساني
لا تقتصر هذه العادة على كونها وسيلة لإنجاز الأعمال، بل تؤدي دورًا إنسانيًا عميقًا في تعزيز الروابط الاجتماعية، وحل الخلافات، وإعادة دمج الأفراد المهمشين داخل المجتمع. فالغياب عن هذا الطقس كان يعد مؤشرًا سلبيًا على علاقة الشخص بالقبيلة، بينما المشاركة الفعالة تمنح صاحبها مكانة واحترامًا.
كما لعبت هذه العادة دورًا مهمًا في دعم الفئات الضعيفة، مثل الأرامل وكبار السن. حيث تتكفل الجماعة بتأمين احتياجاتهم الأساسية دون أن يشعروا بالحرج أو الحاجة.
التغيرات الحديثة وتراجع العادة
مع تسارع وتيرة التحضر وانتقال كثير من سكان القرى إلى المدن. بدأت التويزة تفقد حضورها تدريجيًا، خاصة بين الأجيال الشابة التي باتت تعتمد على العمل المأجور بدل التطوع الجماعي. كما ساهمت التغيرات الاقتصادية وظهور الآلات الحديثة في تقليص الحاجة إلى الجهد البشري الجماعي.
ورغم ذلك، لا تزال التويزة حاضرة في بعض المناطق الريفية خصوصًا خلال مواسم الحصاد أو في حالات الطوارئ. ما يدل على أن العادة لم تختفِ تمامًا، بل تكيفت مع الواقع الجديد.
في هذا السياق، تقول الدكتورة فاطمة أزرور، الباحثة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، إن التويزة ليست مجرد عمل جماعي، بل هي منظومة قيم متكاملة تقوم على التضامن والكرامة والمساواة. وتراجعها لا يعني اختفاء روح التعاون، بل يعكس تحوّل المجتمع من النمط القبلي إلى الفردي. وتوثيق مثل هذه العادات ضروري لفهم كيفية تشكّل الهوية الجماعية في المجتمعات التقليدية.



