عادات و تقاليد

القفلة.. عادة قبلية في جنوب الجزيرة العربية تعزز الروابط الأسرية وتعيد الاعتبار للكرامة

أسماء صبحي – في أعماق المناطق الجبلية والقرى النائية في جنوب الجزيرة العربية، وعلى امتداد محافظات في اليمن وعمان، لا تزال بعض العادات القبلية الراسخة تمارس حتى اليوم، رغم تسارع التحولات الاجتماعية. من بين هذه الطقوس التقليدية تبرز عادة تعرف محليًا باسم “القفلة”، وهي ممارسة اجتماعية تعكس القيم القبلية في التضامن والتحمل والوقوف إلى جانب الأسرة في مواجهة الشدائد.

تقوم هذه العادة على مديرية دعم الأسرة التي تواجه محنة اجتماعية أو مالية أو صحية. وذلك عبر تنظيم مجتمع القبيلة للعمل الجماعي وتقديم المعونة دون مطلب مادي، مع الحفاظ على كرامة الأسرة المتضررة. وما يجعل هذه العادة مختلفة تمامًا عن غيرها من الشعوب هو تركيزها على المحافظة على هيبة الأسرة وكرامتها أمام المجتمع. وقدرتها على تحويل الأزمات إلى مناسبات للتلاحم الاجتماعي.

جذور القفلة التاريخية

ترتبط العادة بأصول ثقافية عميقة في المجتمع القبلي، حيث لعبت القبيلة دور الخلية الاجتماعية الأساسية. وقبل وجود أنظمة الدولة الحديثة، كانت القبيلة هي الضامن الأول لحماية أفرادها وتأمين احتياجاتهم في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، نشأت العادة كآلية تعاونية تضامنية تقوم على العمل الجماعي، والتبرعات العينية، والمساندة المعنوية.

كانت الحياة في الجبال والأودية تتسم بالقسوة والاعتماد على الذات. ومع ندرة الموارد وشح فرص العيش، احتاج الناس إلى شبكة دعم قوية تعتمد على العرف والتقاليد. فكانت القفلة الحل الذي جمع بين الجانب الاجتماعي والإنساني.

كيف تمارس العادة؟

تبدأ العادة عندما تواجه أسرة ما مصيبة مفاجئة قد تكون وفاة عائل، أو مرضًا خطيرًا، أو خسارة مالية فادحة، أو حتى دمار مسكن بسبب كارثة طبيعية. وفي هذه اللحظة، يجتمع شيوخ ووجهاء القبيلة لإعلان موعد القفلة، ويتلو ذلك تنظيم شامل للمجتمع.

يقوم الرجال بجمع التبرعات من مال وأغنام وحبوب، ويقسمونها بشكل يضمن العدالة والاحترام دون إفشاء العورة أو إحراج الأسرة المتضررة. وفي الوقت نفسه، يتطوع عدد من أبناء القبيلة للقيام بالأعمال الشاقة مثل إصلاح المنزل، وحفر الآبار، وجمع الحطب، وإعداد المؤن الغذائية.

وتتحول القفلة خلال تنفيذها إلى مناسبة احتفالية بسيطة، يتبادل خلالها المجتمع الحديث والأهازيج، لكن دون مبالغة، حرصًا على احترام مشاعر الأسرة المعنية. فالقفلة ليست وليمة فخمة، بل عبارة عن شبكة دعم إنسانية تعكس قيم التضامن والاحترام المتبادل.

الكرامة الاجتماعية

يركز النظام القبلي في جنوب الجزيرة العربية على الكرامة والمظهر الاجتماعي، وبالتالي فإن العادة تدار بحس عالي من الاحترام. فلا يسمح للمشاركين بإظهار الاستعلاء أو النفخ في الصدقات، بل يشترط أن تكون المساعدة بأسلوب يضمن كرامة الأسرة وتمنع شعورها بالذل أو الحاجة.

لذلك غالبًا ما تنظم العادة في أماكن محايدة، مثل باحة المسجد أو تحت ظل شجرة كبيرة. ويتولى كبار السن الإشراف على توزيع المساعدات لضمان أن تتم العملية بدقة ونزاهة.

هذه القواعد الدقيقة تجعل من القفلة ممارسة اجتماعية واستراتيجية للوقاية من النزاع الداخلي. فهي تبطن العلاقات وتخلق رابطًا قويًا بين أفراد القبيلة، بحيث يشعر كل فرد بأنه جزء من المنظومة المتكاملة التي لن تتخلى عنه في أوقات الشدة.

العادات داخل القفلة

من التقاليد المتبعة خلال القفلة أن يتم تقديم التمر والحليب والخبز الطازج للجميع، مع إمضاء بعض الوقت في تبادل القصص والحكايات عن أسلاف القبيلة. مما يعزز ذاكرة المجتمع المشترك ويذكر الجميع بأهمية التكافل.

كما يوجد عادة متوارثة داخل القفلة، الأولى أن لا يسمح لأحد بالانصراف قبل توزيع التبرعات كاملةً. والثانية أن يقدم شاب من العائلة المتضررة كلمة شكر باسم أسرته، مما يمنحه شعورًا بالمسؤولية والاعتزاز أمام المجتمع.

وتقول الدكتورة ريماء العامري، باحثة في الدراسات الاجتماعية: “القفلة ليست مجرد عادة قبلية، بل هي نظام اجتماعي متكامل يعكس قيم التكافل والاحترام والكرامة. هذا النوع من التقاليد يعلم المجتمع كيف يكون سندًا لأفراده دون تمييز. ويظهر أن التراث ليس شيئًا ماضيًا فقط، بل قوة حية يمكن أن تلهمنا في عصر نحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى إلى دعم بعضنا البعض”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى