من عرش الوزارة إلى سيف مسرور.. سقوط البرامكة حين انقلب القرب نقمة
في ذروة ازدهار الخلافة العباسية برزت أسرة البرامكة بوصفها القوة الأكثر نفوذًا داخل الدولة أسرة بدأت من جذور بعيدة في بلخ ثم شقت طريقها سريعًا إلى قلب السلطة حتى بدا وكأن مفاصل الحكم كلها قد استقرت في أيديها.
قصة سقوط البرامكة
كان يحيى بن خالد رأس هذه الأسرة العقل المدبر والمربي الأول لهارون الرشيد لم يكتف بدوره السياسي بل توثقت الصلة إلى حد الرضاعة حين أرضعت زوجته هارون مع ابنها الفضل فصار الفضل أخًا للرشيد من الرضاعة رابطًا شخصيًا تجاوز حدود السياسة وعندما تولى هارون الخلافة فتح ليحيى أبواب الدولة كلها فصارت الدواوين والخزائن والتعيينات والعزل تمر عبر يده حتى بدا وكأن الخلافة اسمًا والوزارة فعلًا.
امتد النفوذ إلى الأبناء سريعًا تولى الفضل تربية ولي العهد الأمين وأحاطه برجال البرامكة بينما صار جعفر بن يحيى وجه البلاط الأبرز يدخل على الخليفة دون استئذان يجالسه في الخاص والعام حتى همس الناس بلقب السلطان الصغير وكأن بغداد تحتمل خليفتين في قصر واحد.
في البداية دعم البرامكة ولاية الأمين لكونه ابن أم عربية هاشمية فكان ذلك يخفف احتقان العصبية العربية داخل البلاط في مواجهة صعود النفوذ الفارسي لكن موازين الحسابات تغيرت مع تضخم قوتهم بدأوا يرون في الأمين شابًا طائشًا لا يليق بإدارة دولة مترامية الأطراف فمالوا إلى المأمون ابن الأم الفارسية الأقرب إلى طباعهم ورؤيتهم.
نجحوا في إقناع الرشيد بتعديل نظام ولاية العهد فجعل المأمون خليفة بعد الأمين سنة 182 هـ ثم أضاف القاسم المؤتمن سنة 186 هـ في مشهد أوحى لكثيرين بأن أمر الخلافة نفسه صار بيد البرامكة يقسمونه ويعيدون ترتيبه كما يشاؤون.
عند هذه النقطة بدأ الخطر الحقيقي يتشكل، تكاثرت الوشايات في القصر البرامكة يتصرفون كأصحاب دولة لا كخدم خلافة يعينون ويعزلون يعطون ويمنعون يدخلون على الخليفة متى شاؤوا يتحكمون في أموال هائلة ويبنون ثروات وقصورًا تنافس ما تملكه الدولة نفسها وفي الوقت ذاته تصاعد شعور العنصر العربي بأن الدولة العباسية تنزلق بهدوء نحو هيمنة فارسية بواجهة عربية.
هارون الرشيد المعروف بدهائه وحزمه لم يغفل عن كل ذلك راقب بصمت استمع جمع الخيوط وانتظر اللحظة المناسبة خرج للحج سنة 186 هـ ثم عاد إلى بغداد وقد اكتمل القرار في ذهنه وفي ليلة السبت أول صفر سنة 187 هـ ضرب ضربته الخاطفة.
أمر مسرور الخادم وجماعة من خاصته بالتحرك في وقت واحد في ساعات قليلة سقطت الأسرة كلها قُتل جعفر في الحال وقُطع جسده وسُجن يحيى والفضل حتى ماتا في محبسهما صادرت الدولة الأموال والقصور والضياع وأعلنت أن لا أمان لمن يؤوي أحدًا من بقاياهم أو يعينه.
في ليلة واحدة انهارت إمبراطورية البرامكة التي ظن أصحابها أنها خالدة، لم تكن الضربة مجرد تصفية سياسية بل رسالة حاسمة السلطة في الدولة العباسية لا تقبل الشراكة والخليفة وحده صاحب القرار مهما بلغ قرب الوزير ومهما عظمت خدماته.
بعد سنوات قليلة مات هارون الرشيد في حملته العسكرية سنة 193 هـ وانتقلت الخلافة إلى الأمين ثم اشتعلت الفتنة الكبرى بين الأخوين غير أن قصة البرامكة بقيت شاهدًا قاسيًا من يظن أن السلطة التي يمسكها بيده صارت ملكه سرعان ما يرى السيف معلقًا فوق عنقه وغالبًا من اليد ذاتها التي حسبها يومًا سندًا وأمانًا.



