فتح مدينة تستر ملحمة الصبر والنفوس التي لا تنكسر.. اعرف القصة
في زمن الخلافة الراشدة، وتحت راية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقفت مدينة تستر التي تعرف اليوم بمنطقة الأحواز بوصفها أعظم معاقل الفرس وأشدها منعة. شيدت على تل مرتفع، وأحيطت بسور شاهق تتقدمه أبراج حصينة، وحفر حولها خندق عميق مملوء بالماء، حتى بدا اقتحامها أمرًا بالغ الصعوبة.
قصة فتح تستر
بعد هزائمه المتتالية أمام الجيوش الإسلامية، احتمى الهرمزان أحد أبرز قادة الفرس بأسوار تستر، وجمع فيها عشرات الآلاف من الجنود، استعدادًا لدفاع أخير يائس. عندها وجه الفاروق أبا موسى الأشعري رضي الله عنه على رأس جيش من أهل البصرة، لملاحقة الهرمزان وفتح هذا الحصن العصّي.
بدأ الحصار وطال أمده، حتى تجاوز ثمانية عشر شهرًا، فصار من أطول الحصارات في بدايات التاريخ الإسلامي. ذاق المسلمون خلاله قسوة البرد، ومرارة الجوع، وسهامًا لا تنقطع من فوق الأسوار. سقط شهداء كثر، وكان من أعظمهم البراء بن مالك رضي الله عنه، أخو أنس بن مالك، الذي رفع يديه إلى السماء متضرعًا بأن ينصر الله المسلمين ويرزقه الشهادة، فاستجاب الله له ونال ما تمنى.
ومع متداد الحصار دون حسم، تقدم رجل من سادات الفرس يطلب الأمان من أبي موسى، فآمنه. كشف هذا الرجل عن سر بالغ الخطورة، نفق مائي خفي تحت المدينة، قناة ضيقة تسير تحت الماء وتفضي مباشرة إلى داخل تستر.
أدرك أبو موسى أن الفرج قد اقترب، فاختار لهذه المهمة المصيرية رجلًا اشتهر بالإقدام والصبر، مجزأة بن ثور السدوسي رضي الله عنه، ومعه ثلاثمائة من خيرة الرجال، ممن عرفت عنهم القدرة على السباحة والقتال في أقسى الظروف.
في آخر الليل، انطلق مجزأة ورجاله، خلعوا معظم ملابسهم، وربطوا سيوفهم بأجسادهم، ثم غاصوا في ظلام النفق المائي الضيق. قاوموا التيار، وضيق الأنفاس، والخوف، ساعتين كاملتين، يواجهون الموت في كل لحظة.
عندما خرجوا إلى داخل المدينة، اكتشف مجزأة أن النفق ابتلع مئتين وعشرين من رفاقه، ولم يبق معه سوى ثمانين رجلًا، لكن عزيمتهم كانت أصلب من الحديد. ما إن وطئت أقدامهم أرض تستر حتى هاجموا حراس البوابات، وقضوا عليهم سريعًا، ثم فتحوا الأبواب، وتعالت أصوات التكبير من الداخل، وردد الجيش الإسلامي التكبير من خارج الأسوار، فاندفع المسلمون مع اقتراب الفجر اندفاع السيل.
اشتعلت معركة ضارية لم يعرف التاريخ الإسلامي المبكر لها مثيلًا، ثلاثون ألف مسلم في مواجهة مائة وخمسين ألفًا من الفرس، قتالًا من دار إلى دار، ومن زقاق إلى زقاق، حتى غصت الساحات بالحديد والدماء.
في ذروة القتال، لمح مجزأة الهرمزان في قلب المعركة، فانقض عليه بلا تردد. دار بينهما قتال فردي عنيف، تبادلا فيه ضربات قاتلة، فسقط مجزأة شهيدًا، وقد اطمأن قلبه بما فتح الله على يديه، وسقط الهرمزان أسيرًا بعد أن انهارت مقاومة الفرس.
مع شروق الشمس، كانت تستر قد أصبحت دار إسلام، بعد صبر طويل، وتضحيات جسيمة، وأرواح طاهرة بذلها المسلمون في سبيل الحق.



