مي زيادة الشامية.. امرأة صنعت صالونًا ثقافيًا غير وجه النهضة العربية
أسماء صبحي – في مطلع القرن العشرين، وفي زمن كانت فيه الساحة الثقافية العربية شبه مغلقة أمام النساء. برز اسم مي زيادة كإحدى أكثر الشخصيات النسائية تأثيرًا في الحياة الفكرية العربية. فلم تكن مي مجرد أديبة أو شاعرة، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية أعادت رسم العلاقة بين المرأة والفكر واللغة والحرية. وأسست مساحة نادرة للحوار جمعت كبار مفكري عصر النهضة.
الجذور والتكوين المبكر
ولدت مي زيادة عام 1886 لأب لبناني وأم فلسطينية. ونشأت بين لبنان وفلسطين قبل أن تستقر في القاهرة، المدينة التي كانت آنذاك مركزًا للحراك الثقافي العربي. وتلقت تعليمًا متقدمًا مكنها من إتقان عدة لغات، من بينها العربية والفرنسية والألمانية والإنجليزية. وهو ما انعكس لاحقًا على كتاباتها النقدية والأدبية التي اتسمت بالعمق والانفتاح على الفكر الأوروبي.
نشأت مي في بيئة منفتحة نسبيًا، لكنها واجهت مثل كثير من نساء عصرها قيودًا اجتماعية وثقافية حدت من حضور المرأة في المجال العام. الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ القلم سلاحًا للتعبير والمواجهة.
صالون الثلاثاء
أشهر ما ارتبط باسم مي هو صالونها الأدبي الأسبوعي الذي عرف باسم “صالون الثلاثاء”. والذي انطلق في القاهرة وجمع نخبة من كبار المفكرين والأدباء من بينهم عباس محمود العقاد، طه حسين، أحمد شوقي، خليل مطران، ويعقوب صروف.
في هذا الصالون، لم تكن مي مجرد مضيفة، بل قائدة للحوار. تدير النقاشات حول الأدب والفلسفة وقضايا المرأة والنهضة وتفرض حضورها الفكري بثقة في محيط يهيمن عليه الرجال. وشكل الصالون مساحة نادرة للحوار الحر، وأسهم في تشكيل الوعي الثقافي لجيل كامل من المثقفين.
المرأة والفكر والحرية
دافعت مي بقوة عن حق المرأة في التعليم والعمل والاستقلال الفكري، لكنها لم تتبنى خطابًا صداميًا. بل اختارت الطرح العقلاني الهادئ الذي يربط تحرر المرأة بتحرر المجتمع ككل. وفي مقالاتها وكتبها، أكدت أن نهضة الأمة لا يمكن أن تتحقق دون إشراك المرأة بوصفها شريكًا في الإنتاج الثقافي والفكري.
كما تناولت مي قضايا الحب والروح والإنسان من منظور فلسفي عميق. وهو ما جعل كتاباتها تتجاوز حدود زمانها وتبقى محل قراءة حتى اليوم.
العزلة ونهاية مي زيادة
رغم نجاحها وشهرتها، انتهت حياة مي زيادة بواحدة من أكثر القصص الإنسانية قسوة في تاريخ الأدب العربي. وبعد وفاة والديها، دخلت في حالة عزلة نفسية استغلها بعض أقاربها، وأودعت مصحة عقلية لفترة، في حادثة أثارت جدلًا واسعًا حول ظلم المجتمع للمرأة المستقلة والمثقفة.
خرجت مي زيادة من هذه التجربة منهكة نفسيًا، وتوفيت عام 1941، لكنها تركت إرثًا فكريًا لا يزال حاضرًا بقوة في الذاكرة الثقافية العربية.



