الملكة أروى بنت أحمد الصليحية.. المرأة التي حكمت اليمن من فوق المنابر
أسماء صبحي – في تاريخ الشرق الأوسط، قلما برز اسم امرأة لم تكتفي بالحكم من خلف الستار، بل مارسته علنًا وبقوة وشرعية كاملة. ومن بين هذه الأسماء، تبرز الملكة أروى بنت أحمد الصليحية كواحدة من أكثر الشخصيات النسائية استثنائية في التاريخ الإسلامي. إذ حكمت اليمن لأكثر من أربعة عقود، وخطب باسمها على المنابر، في سابقة لم تتكرر كثيرًا في العالم الإسلامي.
نشأة الملكة أروى بنت أحمد الصليحية
ولدت أروى بنت أحمد في القرن الحادي عشر الميلادي، ونشأت في بيئة سياسية معقدة داخل الدولة الصليحية التي حكمت أجزاء واسعة من اليمن. وتلقت تعليمًا راقيًا قياسًا بعصرها، وأظهرت منذ صغرها ذكاءً لافتًا وقدرة على الفهم السياسي والإداري. مما جعلها محط اهتمام البلاط الحاكم.
تزوجت من الملك المكرم أحمد بن علي الصليحي، حاكم الدولة الصليحية.لكن دورها لم يقتصر على كونها زوجة حاكم، بل شاركته فعليًا في إدارة شؤون الدولة، خاصةً بعد إصابته بالشلل في سنواته الأخيرة.
امرأة تحكم باسمها
بعد وفاة زوجها، تولت أروى الحكم رسميًا، ولم تكن مجرد وصية أو واجهة شكلية، بل حاكمة فعلية تدير الجيش وتصدر القرارات. وتضبط التوازنات القبلية والدينية في اليمن، وهي منطقة عُرفت تاريخيًا بتعقيداتها السياسية.
والأكثر لفتًا للانتباه أن اسمها ذكر في خطبة الجمعة، وهو اعتراف ديني وسياسي بسلطتها، ما منح حكمها شرعية لم تحظَ بها كثير من النساء عبر التاريخ الإسلامي. وبهذا، لم تكن الملكة أروى استثناءً نسويًا فحسب، بل نموذجًا سياسيًا متكاملًا.
سياسة بالحكمة لا بالسيف
لم تعتمد الملكة أروى على القوة العسكرية وحدها، بل انتهجت سياسة قائمة على الحكمة والتحالفات الذكية. واستطاعت احتواء القبائل اليمنية المتنازعة، ونجحت في الحفاظ على وحدة الدولة الصليحية في وقت كانت فيه الانقسامات الداخلية تهدد استقرار المنطقة.
كما أظهرت مهارة عالية في إدارة العلاقات الخارجية، خاصة مع القوى الدينية والسياسية المرتبطة بالخلافة الفاطمية. مما عزز موقع اليمن على خريطة العالم الإسلامي آنذاك.
العمران والعلم وجه آخر للحكم
إلى جانب السياسة، عرفت الملكة أروى بدعمها الكبير للعلم والعمران. فأمرت ببناء المساجد، وشجعت حركة التعليم، ووفّرت الحماية للعلماء والدعاة، مما جعل عهدها يُعد من الفترات المستقرة نسبيًا في تاريخ اليمن الوسيط.
ولا يزال جامع الملكة أروى في مدينة جبلة شاهدًا حيًا على حضورها التاريخي. إذ تحول من مسجد إلى رمز لامرأة حكمت وبنت وخلّدت اسمها في الحجر والتاريخ.
امرأة في مواجهة مجتمع ذكوري
حكمت الملكة أروى في مجتمع قبلي شديد الذكورية، لكن نجاحها لم يكن نتيجة تحدٍّ مباشر للأعراف، بل نتيجة إعادة تعريف دور المرأة من داخل المنظومة نفسها. فلم تصطدم بالتقاليد، بل استخدمت الدين والسياسة والعرف لصالحها، ما أكسبها احترام الخصوم قبل الحلفاء.
ويرى مؤرخون أن سر بقائها في الحكم أكثر من 40 عامًا يعود إلى قدرتها على الجمع بين الحزم والمرونة، وبين السلطة والرمزية الدينية.
رحيل الحاكمة وبقاء الأثر
توفيت الملكة أروى بنت أحمد بعد حياة سياسية حافلة. لكنها تركت خلفها نموذجًا نادرًا لامرأة حكمت دولة كاملة، لا بوصفها استثناءً عابرًا، بل كقائدة ذات مشروع سياسي واضح.



