لطفي لبيب.. صداقة ولدت في الخنادق وعيد تقاسمه مسلم ومسيحي تحت نيران الحرب
أسماء صبحي – يكن الفنان الكبير الراحل لطفي لبيب مجرد ممثل موهوب صنع الضحكة على وجوه الملايين. بل كان إنسانًا استثنائيًا حمل في قلبه حكايات لا تروى كثيرًا، واحدة منها ظل يعتز بها حتى آخر أيامه. حكاية صداقة إنسانية خالصة، وُلدت في قلب الخنادق، وسط نيران الحرب، بعيدًا عن أي اعتبارات للدين أو الاسم، ولم يجمع طرفيها سوى شيء واحد: الوطن.
الشيخ الذي شاركه الخندق
وسط أجواء القتال والخطر، تعرف لطفي لبيب على الشيخ عبد الفتاح صقر، إمام مسجد وأحد أفراد القوات المسلحة. لم تكن العلاقة بينهما عابرة أو سطحية، بل تحولت سريعًا إلى صداقة عمر، تجاوزت حدود الزمالة العسكرية. لتصبح أخوة حقيقية صقلتها الظروف القاسية والخطر المشترك.
كان الاثنان يقفان في خندق واحد، يحملان السلاح نفسه، ويواجهان العدو ذاته دون أن يسأل أحدهما الآخر عن ديانته أو خلفيته. في تلك اللحظات، لم يكن هناك سوى مصريون يدافعون عن أرضهم بكل إخلاص.
عيد في قلب الحرب
في أحد أكثر الأيام قسوة وتحديدًا يوم 7 يناير، الذي يوافق عيد لطفي لبيب، كان الجنود محاصرين، والإرهاق بلغ مداه، والمياه شحيحة. وبينما لم يكن العيد يحمل أي مظهر من مظاهر الاحتفال، فوجئ لطفي بصديقه الشيخ عبد الفتاح صقر يتقدم نحوه حاملاً نصف جركن مياه. ابتسم الشيخ وقال ببساطة: “دي العيدية بتاعتك… استحمى”.
هدية صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت في معناها أعمق من أي كلمات أو شعارات. هدية اختزلت معنى الإنسانية والتضامن في زمن الحرب.
خندق واحد وقلب واحد
كان الجنود يسخنون المياه بوسائل بدائية، مستخدمين تنكات سيارات متضررة، ويوقدون النار أسفلها بإطارات محترقة. يقفون جنبًا إلى جنب يتقاسمون القليل، دون حساب أو تمييز. لم يكن هناك سؤال عن الدين أو اختلاف في العقيدة.
ويروي لطفي لبيب لاحقًا أن زملاءه لم يعرفوا أنه مسيحي إلا بعد مرور عشر سنوات. في إشارة صادقة إلى أن الانتماء الحقيقي في تلك اللحظات كان للوطن فقط.
ضحكة وسط النار
في أحد المواقف، سأله أحد الجنود باستغراب: “إنت ما بتصليش ليه؟”، فأجابه لطفي بهدوء: “عندي عذر”، رد الآخر: “عذر إيه؟”، قال: “أنا مسيحي”، مرت اللحظة بابتسامة وضحكة عابرة وبقي الود كما هو، في صورة نادرة تلخص روح الجبهة، حيث تذوب الفوارق أمام الخطر المشترك.
وداع صديق وجرح لا يندمل
قبل أيام قليلة من رحيله، كان لطفي لبيب لا يزال على تواصل مع صديقه القديم. ثم جاءه خبر وفاة الشيخ عبد الفتاح صقر على لسان زوجته، فحزن عليه حزنًا حقيقيًا. خاصة أن هذا الصديق كان هو نفسه من يصلي على الشهداء في الحرب. رحل الصديق، لكن الذكرى بقيت حية في قلب لطفي كأحد أنقى فصول حياته.
الوطن أولًا
لم يكن لطفي لبيب كثير الكلام عن الوطنية، لكنه كان يعيشها في أفعاله. وبعد نجاح فيلم السفارة في العمارة، تلقى عرض تكريم من جهة إسرائيلية فرفضه بهدوء وحسم، قائلًا: “مينفعش… دول ناس كنت بحاربهم”. موقف بسيط في كلماته، عميق في معناه، يعكس قناعة راسخة لا تقبل الجدل.
رحلة إنسان قبل أن يكون فنانًا
ولد لطفي عام 1947، درس في كلية الآداب، ثم التحق بمعهد الفنون المسرحية. لكن مسيرته الفنية تأخرت بسبب ست سنوات من الخدمة العسكرية، شارك خلالها في حرب أكتوبر. لاحقًا، حول تلك التجربة إلى عمل فني صادق في الكتيبة 26.
قدم أكثر من 100 فيلم سينمائي وعشرات الأعمال الدرامية، لكن الدور الأهم الذي أداه في حياته كان دور الإنسان.
رحيل لطفي لييب وبقاء الأثر
رحل لطفي بعد رحلة علاج صعبة، يوم الأربعاء 30 يوليو 2025، تاركًا خلفه فنًا نظيفًا وحكايات تمزج بين الضحك والوجع. ورسالة واضحة مفادها أن هذا الوطن بُني برجال وقفوا في خندق واحد، بقلوب متحدة قبل أي اختلاف.



