يعقوب صنوع (أبو نضارة): رائد الصحافة الساخرة وبدايات المسرح السياسي في مصر
أسماء صبحي – يعد يعقوب صنوع الشهير بلقب “أبو نضارة” واحد من الشخصيات التاريخية المصرية التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبرغم أن اسمه لا يحظى بذات الانتشار الذي ناله بعض رواد النهضة فإن تأثيره في الصحافة والمسرح والفكر النقدي كان بالغ العمق. وترك بصمة واضحة في تاريخ التعبير الحر في مصر.
نشأة يعقوب صنوع
ولد يعقوب صنوع في القاهرة عام 1839 لأسرة مصرية يهودية. وتلقى تعليمًا متميزًا مكّنه من إتقان عدة لغات من بينها العربية والفرنسية والإيطالية. وأسهم هذا التنوع اللغوي والثقافي في تكوين شخصيته الفكرية المنفتحة. وأتاح له الاطلاع على التيارات الفكرية الأوروبية خاصة في مجالات المسرح والصحافة الساخرة.
أبو نضارة وبدايات الصحافة الساخرة
برز اسم يعقوب مع إطلاقه صحيفة “أبو نضارة زرقا” التي مثّلت نقلة نوعية في تاريخ الصحافة المصرية والعربية. واعتمدت الصحيفة على السخرية السياسية والكاريكاتير كأدوات نقد مباشر للسلطة خاصة في عهد الخديوي إسماعيل. وكانت رسوماته ومقالاته تصل إلى عامة الناس بلغة بسيطة ومباشرة مما جعلها واسعة الانتشار ومؤثرة في الرأي العام.
الصدام مع السلطة والنفي
لم يمر نشاط صنوع دون تبعات سياسية، إذ أثارت كتاباته غضب السلطة فتعرض للملاحقة واضطر في النهاية إلى مغادرة مصر متجهًا إلى فرنسا. ومن باريس، واصل إصدار صحفه الساخرة مستمرًا في نقد الأوضاع السياسية في مصر. وهو ما جعله واحدًا من أوائل الصحفيين المصريين الذين مارسوا الصحافة السياسية من المنفى.
الريادة المسرحية
إلى جانب الصحافة، يعد يعقوب من رواد المسرح في مصر، حيث أسس فرقًا مسرحية وقدّم عروضًا بالعربية، في وقت كان المسرح لا يزال حكرًا على اللغات الأجنبية. واستخدم المسرح كمنصة للتعبير الاجتماعي والسياسي، مقدمًا أعمالًا تحمل رسائل إصلاحية تنتقد الفساد وسوء الإدارة، ما جعله هدفًا إضافيًا للسلطات.
فكره وتأثيره الثقافي
تميز فكر صنوع بالدعوة إلى الإصلاح السياسي، واحترام العقل، ورفض الاستبداد. وقد أسهمت كتاباته في ترسيخ مفهوم أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل أداة للتنوير والمساءلة. ويرى باحثون أن تجربته مهّدت الطريق لظهور جيل لاحق من الصحفيين والمفكرين الذين استخدموا الكلمة في مواجهة السلطة.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، إن يعقوب صنوع يُعد من أوائل من استخدموا السخرية كوسيلة سياسية واعية في مصر. وقد نجح في تحويل الصحافة إلى سلاح فكري مؤثر، يصل إلى الناس بلغتهم اليومية ويكسر هيبة السلطة دون خطاب مباشر.
سنواته الأخيرة والوفاة
قضى يعقوب سنواته الأخيرة في باريس، بعيدًا عن وطنه، لكنه ظل مرتبطًا بقضاياه حتى وفاته عام 1912. وبرغم المنفى، بقي حضوره الفكري حيًا في الذاكرة الثقافية باعتباره نموذجًا للمثقف الذي دفع ثمن مواقفه ولم يساوم على قناعاته.



