تاريخ ومزارات

قصر أحمد باي في قسنطينة: شاهد حي على عظمة العهد العثماني ومقاومة الاستعمار الفرنسي

تزخر محافظة قسنطينة، الواقعة في شرقي الجزائر، بكنوز معمارية وأثرية تروي حكايات عصور مضت، أبرزها الجسور المعلقة التي تعد من معالمها السياحية الشهيرة، إلى جانب قصر أحمد باي، ذلك المعلم التاريخي الذي تحول اليوم إلى متحف وطني يجسد ملحمة المقاومة والهوية، ويحمل القصر حالياً اسم “المتحف الوطني للفنون والتعابير التقليدية”، بعد أن صدر قرار تأسيسه رسمياً في أكتوبر 2010، ليصبح واجهة ثقافية تعكس تاريخ الجزائر وتنوع تراثها.

أمر أحمد باي، آخر حكام الشرق الجزائري في العهد العثماني، ببناء القصر عام 1825، ليكون مقراً رسمياً للحكم في “بايلك الشرق”، أحد أقاليم إيالة الجزائر التي حكمها العثمانيون بين عامي 1518 و1830،

واستمرت أعمال البناء عشر سنوات كاملة، لتُختتم في عام 1835، قبل أن يغزو الفرنسيون المدينة ويستولوا على المبنى بعد سقوط قسنطينة في 1837.

ويقع متحف الحاج أحمد باي في قلب مدينة قسنطينة، ثالث أكبر مدن الجزائر من حيث عدد السكان بعد العاصمة ووهران، والمعروفة بـ”عاصمة الشرق الجزائري” و”مدينة الجسور المعلقة”، ويطل القصر على تقاطع شارعين رئيسيين هما ديدوش مراد والقدس، مما يمنحه مكانة جغرافية واستراتيجية بارزة في نسيج المدينة العتيقة.

أسرار قصر أحمد باي

تجولت وكالة الأناضول داخل أروقة القصر برفقة المرشد السياحي حيدر رواق، الذي قدم شروحاً مفصلة عن هذا الصرح التاريخي، وأوضح رواق أن القصر بني على مساحة تبلغ 5600 متراً مربعاً، ويتضمن 121 غرفة و256 عموداً رخامياً بتصاميم متنوعة، وأضاف أن أقدم بوابة في المبنى صُنعت من خشب شجر الجوز، ويعود عمرها إلى 400 عام، حيث جُلبت من دار الإمارة القديمة في نفس المنطقة.

وأشار رواق إلى أن أحمد باي لم يعش في القصر سوى سنتين فقط، قبل أن يُجبر على مغادرته بعد احتلال القوات الفرنسية للمدينة، ويشمل القصر عدة أجنحة، أبرزها جناح الحرم، المخصص لعائلة الباي المكونة من أربع زوجات وابنته ووالدته، وجناح الحريم المخصص للجاريات وخادمات القصر، كما يوجد جناح ثالث كان الباي يستخدمه في الشتاء بفضل تعرّضه لأشعة الشمس ووجود حمام أسفله يسهم في تدفئة المكان، بينما يتحول في الصيف إلى مكان خاص لاستقبال الضيوف المقرّبين فقط.

القلب الإداري والعدالة في عهد الباي

يُعدّ الجناح الإداري من أهم أجزاء القصر، إذ يحتوي على محكمتين: الأولى مدنية، يشرف عليها قاضيان يفصلان في النزاعات من السبت إلى الخميس، بينما يحتفظ الباي لنفسه بحق النظر في القضايا الكبرى يوم الجمعة، والثانية محكمة عسكرية تقع في الطابق العلوي، مما يعكس التكامل بين السلطة المدنية والعسكرية في إدارة البايلك.

ويجمع الطراز المعماري للقصر بين النمط الموريسكي والمحلي، فالمساحات الخضراء والحدائق مصممة داخلياً على الطراز الموريسكي، وهو أسلوب ورثه الموريسكيون بعد سقوط الأندلس، بينما تستند التفاصيل الأخرى إلى العمارة المغربية والشمال أفريقية التقليدية، وتم استيراد الزليج – وهو فسيفساء من الجبس أو الرخام تحمل زخارف هندسية – من دول مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا وتونس، مما يعكس الانفتاح الثقافي والتجاري لتلك الحقبة.

ويحتوي القصر على أربع مناطق مفتوحة: حديقة البرتقال، وحديقة النخيل، والحوض المركزي، ووسط الدار، وكل منها مزود بنافورة ماء تفعل لتحسين جودة الهواء وتبريد الأجواء، ويروي المرشد أن الباي كان يشغل النافورة عمداً أثناء حديثه مع خادمه الأقرب، لضمان عدم سماع محادثته من قبل الآخرين.

فن وتاريخ على الجدران

تزين جدران وسقوف بعض الأجنحة رسومات أصلية بخط اليد، لم تندثر معظمها رغم مرور الزمن، بينما تخضع أخرى للترميم حاليًا، وتكشف بعض اللوحات عن مدن زارها أحمد باي خلال حياته، من بينها مكة المكرمة والمدينة المنورة، مما يدل على الروابط الدينية والثقافية التي كانت تربط الجزائر بالعالم الإسلامي آنذاك.

ذاكرة المدينة وروح المقاومة

تشير الإعلامية الجزائرية سرور بومزبر إلى أن متحف أحمد باي يمثل ذاكرة قسنطينة، كونه من أقدم القصور في المدينة، وقد خضع لعملية ترميم شاملة عقب اختيار قسنطينة “عاصمة الثقافة العربية عام 2015″، وتشير إلى أن الخبراء الإسبان تعاونوا مع نظرائهم الجزائريين لإعادة إحياء تفاصيله المعمارية بدقة، مشددة على أن موقعه على مرتفع صخري يطل على شارعين يضفي عليه هيبة استراتيجية وجاذبية بصرية.

وترى بومزبر أن القصر ليس مجرد معلم سياحي، بل شاهد حي على الحقبة العثمانية في الجزائر (1518–1830)، وزيارة الزوار له تُعدّ فرصة لاكتشاف تاريخ المدينة والشخصيات المؤثرة التي سكنتها قبل الاستعمار الفرنسي.

من جهتها، تقول إيمان بن وراث، طالبة في كلية الشريعة بقسنطينة، إن زيارتها للقصر كانت الأولى، لكنها تركت في نفسها أثراً عميقاً، وتضيف أن الهندسة المعمارية للقصر تأسر العيون، وتعتبره فضاءً تراثياً يعكس حضارة قسنطينة وهوية الجزائر العربية والإسلامية، وتؤكد أن المكان لا يكتسب أهميته من كونه معلماً تاريخياً فحسب، بل أيضاً من كونه مورداً سياحياً يحقق عوائد اقتصادية، ما يستدعي الحفاظ عليه وتشجيع المواطنين والسياح على زيارته، وترى أن دراسة سير الشخصيات التاريخية والاقتداء بإنجازاتهم واجب وطني لا يجب التفريط فيه.

أحمد باي: قائد المقاومة ورمز الكرامة

ولد أحمد باي في قسنطينة حوالي عام 1784، واسمه الكامل أحمد بن محمد الشريف بن أحمد القلي، وينحدر من أصول كرغلية، حيث كان والده تركي الأصل وأمه جزائرية، وتلقى تعليماً تقليدياً واهتم منذ صغره بفن الفروسية، ما مكّنه من تولي قيادة الحرس على قبائل الحراكتة الأمازيغية القوية شرقي الجزائر عام 1809.

عرف أحمد باي بشخصيته الحازمة وعدالته، فمنذ تعيينه حاكماً على بايلك قسنطينة عام 1826، شرع في إصلاحات إدارية جذرية، وأنشأ جيشاً منظماً ودرّبه على أعلى المستويات، وتمكن في عام 1836 من صد الهجوم الفرنسي الأول على المدينة، لكن القوات الاستعمارية عادت في السنة التالية واحتلت قسنطينة بعد معارك ضارية.

وبقي أحمد باي يقاوم الاحتلال حتى وافته المنية عام 1856 في العاصمة الجزائرية، حيث دفن في تربة زاوية ضريح الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي، خاتماً حياة مليئة بالنضال والكرامة، وشاهداً على عصر من أبطال الجزائر الذين رفضوا أن يخضعوا للاستعمار، وتركوا خلفهم إرثاً لا يُنسى يتجسّد اليوم في حجارة قصره الشامخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى