لواء دكتور راضي عبدالمعطي يكتب: الخلاف فى الرأى ليس خصومة
الخلاف سُنّة من سنن الحياة، ونتيجة طبيعية لتعدد العقول واختلاف الطباع وتباين التجارب. فالناس لا يتشابهون فى أفكارهم، ولا تتطابق رؤاهم، ولو حدث ذلك لجمُد العقل وتوقفت حركة الحياة. غير أن الخلاف، على الرغم من حتميته، لا ينبغى أن يتحول إلى خصومة، ولا أن يكون سببًا فى ضياع القيم أو سقوط الإنسانية.
الإنسانية الحقة تظهر فى لحظات الاختلاف، لا فى أوقات الاتفاق. فحين تتلاقى الآراء يصبح التفاهم سهلاً، أما عند تضادها فيُختبر الخلق، ويُقاس النضج، ويتجلى معدن الإنسان. من يحترم غيره وهو مختلف معه، ويصون كرامته رغم تباين المواقف، يثبت أن الأخلاق أسبق من الرأى، وأن القيم أسمى من الانتصار للنفس.
الخلاف لا يعنى العداوة والحقد والغل، كما أن اختلاف وجهات النظر لا يبرر الإساءة أو التقليل أو التشويه. فلكل إنسان حقه فى أن يرى الأمور من زاويته الخاصة، دون أن يُجبر غيره على تبنيها. وحين يتحول الخلاف إلى صراع يفقد معناه النبيل، ويتحول من وسيلة للفهم إلى أداة للهدم، ومن مساحة للحوار إلى ساحة للإقصاء.
إن احترام الإنسان للإنسان لا يتوقف عند حدود الاتفاق، بل يمتد ليشمل الاختلاف قبل أى شيء آخر. فالتسامح ليس قبول الرأى المخالف فحسب، بل قبول صاحبه، والاعتراف بحقه فى التعبير دون خوف أو تهديد. والإنسانية لا تُقاس بحدة الردود، ولا بقوة الكلمات، بل بقدرة المرء على ضبط نفسه، وحفظ لسانه، والارتقاء بأسلوبه حتى فى أشد لحظات الخلاف.
الوعى الحقيقى يدرك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وأن الصواب قد يتوزع بين الآراء، وأن الخطأ وارد فى كل اجتهاد بشرى. لذلك فإن الاعتراف بإمكانية الخطأ، وفسح المجال للفهم، يمنح الخلاف بُعده الإنسانى، ويجعله سببًا للتقارب لا للتنافر، وللنمو لا للانقسام.
.
الخلاف حين يُدار بأخلاق يصبح مصدر إثراء للعقول، وتوسيعًا للآفاق، واختبارًا راقيًا للقيم. أما حين يُدار بتعصب وغضب فإنه يُفقد الإنسان إنسانيته قبل أن يُفقده علاقاته. فالكلمة الجارحة قد تهدم ما لا تهدمه المواقف، والتهكم قد يترك أثرًا أعمق من أى قرار.
إن الإنسانية لا تعنى التنازل عن القناعات، ولا التخلى عن المبادئ، بل تعنى التعبير عنها بوعى واحترام. تعنى أن نختلف دون أن نُهين، وأن نعارض دون أن نُقصي، وأن نتمسك بآرائنا دون أن نسلب الآخرين حقهم فى آرائهم.
فالخلاف لا يفسد الإنسانية، إنما الذى يفسدها هو فقدان الأخلاق أثناء الخلاف. فالرأى قد يتغير، والموقف قد يتبدل، لكن الأثر الإنسانى يبقى؛ إما شاهدًا على رقى صاحبه، أو دليلاً على سقوطه. ومن حفظ إنسانيته فى خلافه فقد انتصر.
الإنسانية لا تُختبر عند تشابه الآراء، بل تظهر بوضوح حين تتباعد المواقف. فأن تحترم من يوافقك أمر يسير، أما أن تصون كرامة من يخالفك فذلك هو الامتحان الحقيقى للأخلاق. وحين يتحول الخلاف إلى وسيلة للنيل من الآخرين يفقد الإنسان جوهره، ويغدو الرأى أداة قسوة بدل أن يكون وسيلة تعبير.
ومن يملك حجته لا يحتاج إلى إساءة، ومن يثق بفكره لا يلجأ إلى التجريح. فالرقى فى الأسلوب دليل على رسوخ المبدأ، لا على التنازل عنه.
الخلاف حين يُدار بعقل مفتوح يسهم فى تصحيح المفاهيم، ويكشف زوايا لم تكن مرئية، ويثرى التجربة الإنسانية. أما حين يُدار بعاطفة منفلتة فإنه يعمق الهوة، ويزرع الكراهية، ويترك أثرًا يصعب محوه.
فالإنسان قد ينسى الرأى المختلف، لكنه لا ينسى طريقة المعاملة.



