شنقيط سر الصحراء الذي سمى موريتانيا.. مدينة العلم والحج وكنوز المخطوطات
تعد شنقيط مدينة تاريخية موريتانية حملت البلاد اسمها في العالم الاسلامي طوال قرون، ولعبت دورا دينيا وثقافيا واقتصاديا مهما على الطرق التجارية القديمة، وتحتفظ المدينة اليوم بكنوز معرفية عبر مكتباتها التي تضم مخطوطات نادرة، رغم ما تواجهه من تحديات مناخية قاسية وتعثر في مسارات التنمية داخل موريتانيا.
التسمية والتاريخ
لا يزال اصل اسم شنقيط غير محسوم مع وجود تفسيرات متعددة، من ابرزها ان الاسم يعني عيون الخيل باحدى اللغات المحلية القديمة، او انه مشتق من اسم جبل قريب، بينما يذهب رأي ثالث الى اشتقاقه من كلمة شقيط العربية بمعنى الفخار او الجرار الخزفية التي تحفظ المياه، رغم ان تأثر اسماء الاماكن القديمة باللغة العربية الفصحى امر غير مؤكد في تلك الفترات
وينطق الاسم محليا شنجِيطي بالجيم المصرية، ومع مرور الزمن اشتهر بصيغته المتداولة حاليا شنقيط، خصوصا مع انتشار الكتابة وذيوع الاسم خارج البلاد.
وتربط مرويات شفوية نشأة المدينة بالقرن الثامن الميلادي في تأسيس مستوطنة ابير عام سبعمئة وسبعة وسبعين ميلادية بالقرب من موقع شنقيط الحالية، وتعرف ابير بكونها شنقيط الاولى وفق ما ينقله الباحث احمد مولود الهلال عن مخطوط تاريخ ابن حبت، وهو من علماء المدينة.
وترتبط هذه الروايات بنشأة دولة المرابطين في صحراء الملثمين، وسواء كانت شنقيط وريثة لمستوطنة اقدم انتقل اليها الثقل السكاني ام لا، فان اغلب المصادر ترجح تأسيس شنقيط الحالية قبل نحو ثمانية قرون في حدود منتصف القرن الثالث عشر عام الف ومئتين واثنين وستين ميلادية حيث كانت مركزا تجاريا مهما على طرق القوافل العابرة للصحراء بين غرب وشمال افريقيا.
ومن اقدم الاشارات اليها ما ذكره مؤرخ تمبكتو عبد الرحمن السعدي المتوفى عام الف وستمئة وستة وخمسين ميلادية في كتاب تاريخ السودان خلال حديثه عن القاضي محمد نض الشنقيطي الاصل الذي كان ذا نفوذ في المدينة تحت حكم زعيم الطوارق اكل الذي سيطر على تمبكتو نحو عام الف واربعمئة وثلاثة وثلاثين ميلادية، مما يؤكد وجود المدينة في النصف الاول من القرن الخامس عشر.
وفي بدايات القرن السادس عشر اشار المترجم الالماني فالنتيم فرنانديز الى شنقيط واعتبرها ثالث اهم مدينة مأهولة في البلاد، وشهدت المدينة ازدهارا منذ القرن الثالث عشر بينما بلغ ازدهارها الاكبر ابتداء من القرن الثامن عشر.
وتميزت شنقيط كمركز علمي وروحي وكان منها ينطلق الحجيج نحو الديار المقدسة مما اكسبها شهرة واسعة وجعل اسمها يطلق على البلاد خاصة في المشرق الاسلامي، وساعد على ذلك قدوم علماء البلاد الى المشرق لاداء الحج ومذاكرة العلم واقتناء الكتب، واستقر بعضهم في مدن مثل مصر والحجاز والعراق والسودان.
ومع هذا التطور لم تعد شنقيط مجرد مدينة صحراوية محصورة بين رمال وجبال ولاية آدرار، بل اصبح اسمها يشير الى مجال واسع شهد انصهار قبائل صنهاجة وبني حسان مع مكونات اخرى الى جانب بروز مؤسسات اجتماعية شكلت تدريجيا شخصية الانسان الشنقيطي المنخرط في حضارة صحراوية اسهم الاسلام في بنائها كما يعبر المؤرخ الراحل محمد ولد مولود الشنافي.
الموقع الجغرافي
تقع المدينة في الركن الشمالي الغربي من الصحراء الكبرى بولاية آدرار على بعد تسعين كيلومترا شرقي مدينة اطار، وتحيط بها جبال آدرار من الشمال والغرب بينما تنفتح شرقا على امتداد الصحراء حتى الحدود مع مالي على مسافة نحو ستمئة وستين كيلومترا.
وتتربع شنقيط على هضبة آدرار في وسط الى شمال غرب موريتانيا على بعد اكثر من اربعمئة كيلومتر شرقا من المحيط الاطلسي وعلى ارتفاع يقارب خمسمئة متر فوق مستوى سطح البحر.
المناخ وموارد المياه
ترتفع درجات الحرارة في شنقيط نهارا وتنخفض ليلا بشكل حاد وقد تصل الى تسع واربعين درجة في فترات الحر بينما تهبط الى عشر درجات في ابرد الاوقات، ويبلغ متوسط الحرارة السنوي خمسة وثلاثين فاصلة سبعة للقصوى واربع وعشرين فاصلة سبعة للدنيا.
ويغلب على المناخ الجفاف نتيجة ندرة الامطار التي لا تتعدى ثمانية فاصل خمسة مليمترات سنويا مما يزيد من التصحر وزحف الرمال، وتتوفر للمدينة مياه جوفية عذبة لكنها مهددة بسبب تناقص منسوبها مع زيادة الاستغلال وقلة الامطار التي لا تعوض المخزون.
الاقتصاد
اعتمد اقتصاد شنقيط تاريخيا على التجارة عبر الصحراء الكبرى التي منحتها دور قطب تجاري لقرون بفضل بضائع متنوعة ابرزها الذهب والملح، وكانت شنقيط محطة رئيسية على طريق القوافل المعروف بالطريق اللمتوني الذي ربط غرب افريقيا بحواضر المغرب عبر مدن الصحراء.
وشكلت المدينة حلقة وصل بين مراكز التجمع البشري على طرق القوافل، واضفت المناجم اهمية اقتصادية كبيرة عليها الى جانب ما كان يمر عبرها من تمور وجلود وثياب وابل مما جعلها مركزا حيويا داخل الحركة التجارية الصحراوية.



