تاريخ ومزارات

مفهوم الإلهة عند المصريين القدماء

 

كتبت شيماء طه

 

كان الدين جزءًا أساسيًا من حياة المصريين القدماء، وقد شكّل مفهوم الآلهة عنصرًا محوريًا في فهمهم للعالم والطبيعة والكون. لم يكن المصري القديم ينظر إلى الآلهة باعتبارها كائنات بعيدة عن حياته، بل كان يرى أنها قوى طبيعية وروحية تؤثر في كل ما يحيط به، من الشمس والنيل والخصب، إلى الموت والبعث والحماية اليومية. لذلك تطورت عندهم مجموعة واسعة من الآلهة، لكل منها صفات ورموز وعبادات خاصة.

 

اعتمد المصريون القدماء على فكرة أن الكون منظم بواسطة قوى إلهية تحفظ التوازن، وهو ما يُعرف لديهم بمبدأ “ماعت”، الذي يمثّل الحق والعدل والنظام. وكانت مهمة الآلهة هي حفظ هذا النظام، بينما كان على البشر احترامه من خلال الطاعة والطقوس والتقوى. وتعد ماعت نفسها إلهة تم تجسيدها في هيئة امرأة تحمل ريشة، وكانت رمزًا للعدالة والنظام الكوني.

 

وقد اتخذت الآلهة أشكالًا متعددة، بعضها في هيئة بشرية، وبعضها الآخر في هيئة حيوانات، أو مزيج من الاثنين. لم يكن هذا لأن المصريين يعبدون الحيوانات نفسها، بل لأنهم رأوا في الحيوانات صفات رمزية تدل على قوة الإله. فعلى سبيل المثال، ارتبط الإله حورس بالصقر لأنه يرمز إلى القوة والبصيرة، بينما تجسّد الإله أنوبيس في هيئة ابن آوى لأنه الحيوان الذي كان يتردد على المقابر، فارتبط بالموت والتحنيط.

 

ومن أبرز الآلهة في العقيدة المصرية الإله رع، إله الشمس، الذي اعتبره المصريون خالق الكون ورمز الحياة والضياء. كان يُعتقد أن رع يبحر في السماء نهارًا على مركبه الشمسي، ويعبر عالم الموتى ليلًا ليولد من جديد كل صباح، وهو رمز لدورة الحياة والبعث. كما كان أوزوريس إلهًا مهمًا يمثل الخير والعدل والحياة بعد الموت، وكان المصريون يعتقدون أنه يحكم عالم الآخرة. وترتبط به أسطورة شهيرة تتحدث عن مقتله وقيام زوجته إيزيس بإحيائه، مما جعل قصته رمزًا للأمل والانبعاث.

 

أما إيزيس فقد كانت إلهة الأمومة والسحر والحماية، وقد حظيت بشعبية كبيرة في جميع أنحاء مصر. وكان يُنظر إليها كرمز للحنان والقوة والحكمة. كما برز الإله ست إله العواصف والفوضى، والذي مثّل الجانب المضطرب من الطبيعة، مما يعكس فهم المصريين للثنائية بين الخير والشر.

 

وقد تميز الدين المصري بتعدد الآلهة، لكن هذا التعدد لم يكن تناقضًا، بل ساعد على تفسير ظواهر الطبيعة المتنوعة. وكانت المدن المصرية تتخذ لها آلهة رئيسية ترعاها، مثل آمون في طيبة، الذي أصبح في وقت لاحق واحدًا من أعظم الآلهة عندما اندمج مع رع ليصبح “آمون رع”.

 

وعلى الرغم من تعدد الآلهة، كان المصريون يؤمنون بوجود قوة كبرى تنظم الكون، وأن الآلهة تعمل بتناسق للحفاظ على الحياة. ومع مرور الزمن، تطورت العقيدة المصرية من خلال طقوس دينية معقدة، ومعابد ضخمة، وكهنة متخصصين كانوا يقومون بخدمة الآلهة وتنظيم الاحتفالات الدينية.

 

وختاما ، يعكس مفهوم الآلهة عند المصريين القدماء رؤية عميقة للكون والحياة والموت، ويظهر مدى ارتباط الإنسان المصري بالطبيعة واحترامه للقوى التي اعتبرها مصدرًا للعطاء والحماية والنظام. لقد كانت آلهتهم لغة رمزية تجمع بين العلم والخيال، وتعبّر عن حضارة عظيمة ما زالت تبهر العالم حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى