ريتشارد قلب الاسد.. الملك الذي استنزف انجلترا من اجل المجد والحروب
في الثامن من سبتمبر عام 1157، ولد ريتشارد الاول، الملك الذي عرفه التاريخ بلقب قلب الاسد، لكن خلف صورة الفارس الشجاع التي رسمتها الروايات الاوروبية، اختبأت شخصية ملك عاش معظم حياته وسط الحروب والمعارك، بينما ترك مملكته تواجه الضرائب والفقر والاضطرابات.
وعندما تولى عرش انجلترا عام 1189، لم ينظر الى المملكة باعتبارها دولة تحتاج الى الاستقرار والاصلاح، بل تعامل معها كمصدر ضخم للاموال التي تمول طموحاته العسكرية في الشرق واوروبا.
ملك غادر بلاده بعد التتويج مباشرة
لم يمض وقت طويل على تتويج ريتشارد حتى قرر الانطلاق نحو الحملة الصليبية الثالثة، تاركا خلفه انجلترا غارقة في الازمات المالية والادارية.
وخلال سنوات حكمه العشر، لم يقض داخل انجلترا سوى فترات قصيرة جدا، انشغل خلالها بجمع الاموال وترتيب الحملات العسكرية، بينما تولى رجاله ادارة شؤون البلاد.
وركز ريتشارد اهتمامه بالكامل على الحروب والصراعات الخارجية، خاصة بعد سقوط القدس بيد صلاح الدين الايوبي، الامر الذي دفعه للمشاركة في الحملة الصليبية الثالثة تحت شعار استعادة المدينة المقدسة.
ضرائب قاسية انهكت الشعب الانجليزي
احتاجت الحملات العسكرية التي خطط لها ريتشارد الى اموال هائلة، لذلك فرض ضرائب قاسية على النبلاء والكنيسة وعامة الشعب.
واضطر كثير من الناس الى بيع ممتلكاتهم واراضيهم لتسديد ما فرضه التاج من جبايات، بينما تحولت خزائن المملكة الى مصدر دائم لتمويل الحروب البعيدة.
كما باع الملك مناصب واراضي وامتيازات مقابل المال، حتى انتشرت بين الناس مقولة ساخرة تقول ان ريتشارد كان مستعدا لبيع لندن نفسها لو وجد مشتريا مناسبا.
ريتشارد وصلاح الدين في الحملة الصليبية الثالثة
وصل ريتشارد الى الشرق وهو يحمل طموحا كبيرا لتحقيق انتصار عسكري يعيد القدس الى الصليبيين، فقاد سلسلة من المعارك ضد قوات الدولة الايوبية بقيادة صلاح الدين.
واشتهر الملك الانجليزي بجرأته العسكرية وقدرته على قيادة الجنود في ساحات القتال، خاصة خلال معركة ارسوف التي حقق فيها انتصارا مهما على الجيش الايوبي.
لكن رغم الانتصارات العسكرية التي حققها، فشل ريتشارد في تحقيق الهدف الاكبر للحملة، وهو السيطرة على القدس.
ومع استمرار القتال واستنزاف الجانبين، اضطر ريتشارد الى توقيع صلح الرملة عام 1192 مع صلاح الدين، الذي ابقى القدس تحت الحكم الاسلامي، مقابل السماح للحجاج المسيحيين بزيارة المدينة، ومنح الصليبيين بعض المدن الساحلية.
سقوط الملك اسيرا في اوروبا
لم تنته ازمات ريتشارد بعد مغادرته الشرق، ففي طريق عودته تعرضت سفينته للتحطم قرب السواحل الايطالية، واضطر الى عبور اوروبا متخفيا.
لكن خصومه تعرفوا عليه سريعا، بسبب خلافاته السياسية وتحالفاته المتقلبة، فوقع في قبضة دوق النمسا الذي سجنه وطالب بفدية ضخمة مقابل اطلاق سراحه.
وبلغت قيمة الفدية نحو مئة وخمسين الف مارك فضي، وهو مبلغ هائل في ذلك العصر، دفعته انجلترا عبر ضرائب جديدة واستنزاف واسع لثروات الكنيسة والشعب.
العودة الى الحروب من جديد
بعد خروجه من السجن، لم يتجه ريتشارد الى اعادة بناء انجلترا او معالجة الاضرار الاقتصادية التي خلفتها حروبه، بل عاد مباشرة الى القتال في اوروبا ضد ملك فرنسا فيليب الثاني.
واستمرت حياته سلسلة متواصلة من الحصارات والمعارك والصراعات السياسية، حتى اصبحت الحرب بالنسبة له اسلوب حياة لا يتوقف.
النهاية التي جاءت في ساحة حصار
في مارس عام 1199، شارك ريتشارد في حصار قلعة صغيرة في فرنسا تعرف باسم شالوس.
وخلال الحصار، اصابه سهم في كتفه، وبدا في البداية جرحا عاديا لا يشكل خطرا كبيرا، لكن الجرح تحول لاحقا الى غرغرينا بسبب التلوث وسوء العلاج.
وفي السادس من ابريل عام 1199، توفي ريتشارد قلب الاسد، لتنتهي حياة واحد من اشهر ملوك العصور الوسطى.
ومات الملك بعيدا عن انجلترا التي حمل تاجها، بعدما قضى معظم سنوات حكمه بين الحروب والسجون والحملات العسكرية، تاركا خلفه مملكة منهكة وشعبا دفع ثمنا باهظا من اجل طموحاته العسكرية وشهرته الشخصية.



