قانا اللبنانية: القرية الوادعة بين التاريخ والمعجزة
تقع قانا اللبنانية شرقي مدينة صور، وتهتز ذاكرتها الجماعية بدماء أطفالها ودموع أمهاتهم الثكالى، لكنها تبقى ضاربة الجذور في عمق التاريخ، وقد شهدت التهجير والطمس من قبل الإسرائيليين بحسب مصادر تاريخية.
ولها مكانة دينية عالمية، فقد ورد اسمها في الإنجيل حسب الرواية المسيحية عندما أجرى المسيح معجزته الأولى بتحويل الماء إلى خمر في حفل زفاف أحد أنسبائه، حيث جاء في النص: “هذه الآية الأولى صنعها يسوع فيها وأظهر مجده فآمن به تلاميذه”.
وتشير الرواية إلى أن المسيح شارك في حفل زفاف أحد تلاميذه المدعو نتانئيل، المعروف بسمعان القانوي، وهو من قانا الجليل، نفد الخمر لكثرة الضيوف، فكانت هذه المعجزة بداية لإظهار مجد المسيح وبداية الإيمان المسيحي.
ويحتفل المسيحيون حول العالم بعيد العرس إحياءً لهذه المناسبة، فيما يتوافد ملايين الحجاج النصارى إلى قانا الفلسطينية حيث توجد كنائس قديمة يعتقد أن إحداها شهدت المعجزة، ويقوم الأزواج هناك بتجديد عهد الزواج وتجربة الروحانية المرتبطة بالمكان.
قانا.. جدلية الموقع: فلسطين أم لبنان؟
رغم اعتراف معظم الباحثين ورجال الدين والمؤسسة الكنسية بقانا الجليل في فلسطين، يبدي بعض المؤرخين والمختصين شكوكهم حول الموقع، مشيرين إلى أن المسيح قد يكون زار قانا اللبنانية وأجرى معجزته هناك.
من أبرز هؤلاء الأب اللبناني الدكتور يوسف يمين، الذي أكد في كتابه “قانا الجليل في لبنان“ أن قانا المذكورة في العهد المقدس هي قانا قضاء صور اللبنانية.
ويشير يمين إلى أن شمال فلسطين وجنوب لبنان يشكلان وحدة جغرافية متصلة، ويقارن الجليل بامتداد شجرة وجذورها في لبنان، موضحًا أن العديد من المؤرخين والرحالة الأجانب أخطأوا في تحديد الموقع بسبب قلة معرفتهم بلغات الشرق وجغرافيته.
الأدلة التاريخية والأثرية
يستند الأب يمين إلى عدة حجج تاريخية وأثرية لتثبيت نظريته حول قدسية قانا اللبنانية، من بينها:
- منحوتات أثرية في القرية مستوحاة من المعجزة الأولى.
- وجود كنائس قديمة تعود لقرون عدة، يُعتقد أنها شهدت المعجزة.
ويشير إلى أن التضليل بين قانا اللبنانية والفلسطينية نجم عن أخطاء ارتكبها مؤرخون، وأن بعض الباحثين الأجانب حاولوا عن جهل تقريب الموقع من الناصرة، بعيدًا عن الحقيقة التاريخية والجغرافية.
النزوح والتاريخ المسيحي في المنطقة
يوضح الأب يمين أن الخراب الذي لحق بالهيكل في أورشليم والتنكيل باليهود دفع المسيحيين للانكفاء شمالًا نحو العمق اللبناني، واستمر اليهود في اضطهاد المسيحيين في الجليل، ما أدى إلى طمس أي أثر للوجود المسيحي هناك، وبالتالي اختفت بلدة قانا الجليل من الذاكرة بعد محاولات التعتيم وإزالة المعالم التاريخية.
وتبقى ليوم شاهدة على تاريخ طويل يمتد من المعجزات الدينية إلى معاناة أهلها عبر الحقب المختلفة، وتستمر النقاشات حول موقع المعجزة الأولى للمسيح بين الباحثين، لكنها تبقى رمزًا للتراث المسيحي العريق، وللأرض التي تجمع بين القداسة والتاريخ العميق، وتجذب إليها المؤمنين والزوار الباحثين عن إحياء ذكرى واحدة من أقدم المعجزات في التاريخ المسيحي



