طقوس الزار في مصر القديمة… بين العلاج الروحي وسحر المعتقدات
كتبت شيماء طه
يُعد “الزار” من أكثر الطقوس الغامضة التي ارتبطت بالموروث الشعبي في مصر، وهو في جوهره احتفال طقسي يجمع بين الموسيقى والرقص والرمزية الروحية.
ورغم أن طقوس الزار ما زالت تُمارس حتى اليوم في بعض مناطق الصعيد والدلتا، فإن جذورها تمتد إلى أعماق التاريخ المصري القديم، حين كان المصريون يعتقدون أن الأرواح والآلهة تتدخل في حياة الإنسان اليومية وتؤثر في صحته وسعادته.
في مصر القديمة، كانت فكرة “الأرواح” أو “الكا” جزءًا أساسيًا من العقيدة الدينية، اعتقد المصري القديم أن لكل إنسان روحًا مزدوجة، وأن اضطراب التوازن بين الجسد والروح قد يجلب المرض أو الحزن أو النحس.
ومن هنا جاءت فكرة “الزار” كطقس روحي هدفه استرضاء الأرواح الغاضبة التي يُعتقد أنها تسكن الجسد أو البيت.
ورغم أن الزار في العصر الحديث اكتسب ملامح جديدة تأثرت بالثقافات الإفريقية والعربية، إلا أن كثيرًا من مكوناته لا تزال تعكس الموروث الفرعوني القديم.
فالأغاني التي تُؤدى أثناء الزار اليوم تحمل نغمات قريبة من الأناشيد القديمة، والآلات الموسيقية كالدف والمزمار والطبلة تُشبه تلك التي عُثر عليها في النقوش والمعابد.
كما أن فكرة “الجني” أو “الروح” التي تُسيطر على الإنسان كانت تُقابل في مصر القديمة بمفهوم “الكا” الغاضبة التي تحتاج إلى طقس خاص لترضيتها.
ويُلاحظ أن طقس الزار لم يكن في أصله موجهًا للنساء فقط، كما هو شائع الآن، بل كان يُمارس على الرجال والنساء معًا، خاصة أولئك الذين يُصابون بأعراض غامضة أو اضطرابات نفسية.
ومع مرور الزمن، ارتبط الزار أكثر بعالم النساء، خصوصًا في القرى والمناطق الشعبية، حيث صار وسيلة للتنفيس عن الكبت النفسي والاجتماعي من خلال الرقص الجماعي والموسيقى العالية.
ويُظهر الزار في جوهره مزيجًا من الدين والسحر والعلاج النفسي الشعبي، إذ يجسد محاولة الإنسان منذ أقدم العصور لفهم ما يعجز الطب أو المنطق عن تفسيره.
وربما كان ذلك أحد أسرار استمراريته حتى اليوم، بوصفه إرثًا حضاريًا يحمل صدى مصر القديمة، ويعكس العلاقة العميقة بين الإنسان المصري وعالم الغيب والروح.
وهكذا، فإن الزار ليس مجرد طقس بدائي أو رقصة شعبية كما يظن البعض، بل هو مرآة لتاريخ طويل من المعتقدات والرموز الروحية التي ورثها المصريون عبر آلاف السنين، من المعابد القديمة إلى الأزقة الشعبية، حيث ما زالت دقات الدفوف تُعيد صدى الماضي وتروي حكاية الإنسان الباحث عن الطمأنينة في وجه الغيب.



