تاريخ ومزارات

الشيخ ماء العينين: زعيم قبلي وروحي صنع تاريخ الصحراء

أسماء صبحي – يعد الشيخ ماء العينين واحدًا من أبرز الشخصيات القبلية والدينية في بلاد المغرب العربي خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فقد جمع بين مكانته كزعيم ديني صوفي بارز، وبين قيادته للقبائل الصحراوية التي كان لها دور كبير في مقاومة التوسع الاستعماري الأوروبي خاصة الفرنسي والإسباني. وترك الشيخ ماء العينين أثرًا بالغًا في مسار الأحداث بالمنطقة إذ أسس مدينة سمّاها “السمارة” لتصبح مركزًا للعلم والدين ومقرًا رئيسيًا لقيادة المقاومة.

نشأة الشيخ ماء العينين

ولد ماء العينين عام 1831 في منطقة الحوض الشرقي بموريتانيا في كنف أسرة شريفة تنتمي إلى أصول حسنية عريقة. وكان والده من علماء الصحراء وأحد أعيان القبائل ما أتاح له منذ صغره أن يتلقى علوم الدين والفقه واللغة العربية. ولم يكن مجرد شيخ تقليدي بل مثل نموذجًا للقائد القبلي الذي يوظف الدين والروحانية في خدمة السياسة والمجتمع.

الدور الديني والزعامة الروحية

اشتهر ماء العينين بكونه شيخًا صوفيًا مؤسسًا للطريقة القادرية في منطقة الصحراء الكبرى. والتف حوله المريدون والطلاب وجعل من حلقاته التعليمية مركزًا يجذب المئات من مختلف القبائل. ومع اتساع نفوذه الروحي صار مرجعًا دينيًا لا غنى عنه للقبائل المنتشرة بين المغرب وموريتانيا والجزائر.

هذا النفوذ الروحي لم يكن معزولًا عن العمل القبلي إذ كان ينظر إليه باعتباره المرجع الذي يضبط النزاعات بين القبائل ويوجهها نحو الوحدة في مواجهة الأخطار الخارجية.

الدور السياسي ومواجهة الاستعمار

برز ماء العينين كزعيم سياسي حين بدأت القوى الاستعمارية الأوروبية التوغل في الصحراء والمغرب. فقد أدرك أن القبائل وحدها عاجزة عن مواجهة فرنسا وإسبانيا لذلك عمل على توحيدها تحت راية المقاومة. وأسس مدينة السمارة عام 1898 التي تحولت إلى قاعدة استراتيجية لمواجهة التمدد الاستعماري.

أطلق ماء العينين دعوة الجهاد وحشد القبائل وأرسل الوفود إلى السلطان المغربي آنذاك مولاي عبد العزيز. مؤكدًا ولاءه له باعتباره أمير المؤمنين وداعيًا إلى دعمه ضد الغزو الأوروبي.

إنشاء مدينة السمارة

من أبرز إنجازات الشيخ ماء العينين تأسيس مدينة السمارة في قلب الصحراء. فلم تكن مجرد تجمع سكاني عادي، بل صرحًا حضاريًا يجمع بين الزاوية الدينية، المكتبات، مراكز التعليم، والمخازن الاستراتيجية للأسلحة والمؤن. وأصبحت المدينة رمزًا لمشروعه في دمج الدين بالسياسة وإحياء دور القبائل في صناعة مستقبل المنطقة.

العلاقة بالسلطان المغربي

حافظ ماء العينين على علاقة متينة مع سلاطين المغرب، وكان ينظر إلى المغرب باعتباره الحامي الروحي والسياسي للقبائل الصحراوية. وزار مراكش وفاس مرات عدة، وحصل على دعم مادي ومعنوي من السلطان الذي سلمه السلاح والعتاد لمواجهة الفرنسيين. وقد منحه السلطان لقب “خادم السلطان” مما عزز مكانته كزعيم شرعي في نظر القبائل.

المقاومة المسلحة

قاد ماء العينين العديد من الحملات ضد الاستعمار الفرنسي في الجنوب المغربي وموريتانيا. ومع أنه كان في العقد السابع من عمره إلا أنه ظل يعبئ القبائل ويوجه أبناءه وقادة المقاومة لمواصلة القتال. وبالرغم من التفوق العسكري الفرنسي، شكلت مقاومته حجر عثرة أمام تمدد الاستعمار لسنوات طويلة.

وفاته والإرث الذي تركه

توفي ماء العينين سنة 1910 بمدينة تزنيت المغربية تاركًا وراءه إرثًا كبيرًا من الزعامة الدينية والقبلية والسياسية. خلفه أبناؤه في قيادة المقاومة وعلى رأسهم المجاهد أحمد الهيبة الذي واصل الكفاح ضد الاستعمار.

ويقول الدكتور أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي والباحث في التاريخ، إن الشيخ ماء العينين لم يكن مجرد شيخ صوفي. بل كان زعيمًا قبليًا حقيقيًا جمع بين الشرعية الدينية والدور السياسي واستطاع أن يجعل من الصحراء مركز إشعاع علمي وروحي وسياسي في مواجهة الاستعمار. إرثه لا يزال حاضرًا حتى اليوم في وجدان القبائل الصحراوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى