غزالة بنت عمار.. المرأة التي حوّلت نساء الأوراس إلى حصن ضد الاستعمار الفرنسي
في جبال الأوراس الوعرة، حيث اشتعلت شرارة الثورة الجزائرية، برزت نساء صنعن بطولات صامتة لا تقل شأنًا عن بطولات المقاتلين في الجبال والخنادق، ومن بين تلك الأسماء تبرز الشهيدة غزالة بنت عمار، المرأة التي واجهت آلة الاستعمار الفرنسي بأساليب شعبية مبتكرة هدفت إلى حماية النساء وصون كرامتهن في زمن القهر والحرب.
من هي غزالة بنت عمار
كانت غزالة بنت عمار، وفق الروايات المتداولة في منطقة الأوراس، تتحرك بسرعة فور سماع أصوات محركات سيارات الجيش الفرنسي، تصعد إلى سطح منزلها وتطلق نداءها للنساء، فتتجمع النسوة في فناء البيت المخصص لدرس الحبوب، من الفتيات الصغيرات حتى المسنات، ثم تمسك كل امرأة بيد الأخرى لتتشكل كتلة بشرية متماسكة تحول دون تمكن الجنود من سحب أي امرأة أو الاعتداء عليها، لقد تحولت تلك الحلقة النسائية إلى وسيلة مقاومة اجتماعية نادرة، جسدت تضامن نساء الريف الجزائري في مواجهة العنف الاستعماري.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ابتكرت النساء وسائل أخرى للتنفير والحماية، فكن يستخدمن عصير البصل لرش الأجساد والملابس، ويلطخن الوجوه بالفحم وآثار دخان الحطب، وأحيانًا بالطين وروث المواشي، حتى يفقد الجنود رغبتهم في الاقتراب منهن، كانت تلك الحيل البسيطة جزءًا من مقاومة يومية خاضتها النساء العزّل دفاعًا عن الشرف والكرامة.
وحين أدركت سلطات الاحتلال الفرنسي أن غزالة بنت عمار تمثل روح المقاومة النسوية في غياب الرجال، تعرضت لتعذيب وحشي على يد أحد ضباط جهاز SAS، وتروي الشهادات أن الضابط اعتدى عليها بكعب سلاحه حتى حطم قفصها الصدري، وظلت تنزف الدم أيامًا قبل أن تستشهد متأثرة بجراحها.
أما الصورة الشهيرة المنسوبة إليها، فقد التقطها المصور الفرنسي مارك غارانجي، الذي عرف بتوثيق وجوه النساء الجزائريات خلال سنوات الحرب، وقد كتب لاحقًا في مذكراته أن لحظة تصوير تلك المرأة في الأوراس كانت من أكثر اللحظات التي شعر فيها بالخوف والرهبة، في إشارة إلى قوة النظرة التي حملتها المرأة الجزائرية في وجه المستعمر.
تبقى غزالة بنت عمار رمزًا لذاكرة نساء الأوراس، وللدور الخفي الذي أدته المرأة الجزائرية خلال سنوات الثورة، حين تحولت البيوت والحقول والأفنية البسيطة إلى خطوط دفاع تحفظ الكرامة وتقاوم الاحتلال.



