حوارات و تقارير

شعوب البحر.. الغزاة الغامضون الذين أرعبوا مصر والعالم القديم

في العصور القديمة، حين كانت حضارة مصر الفرعونية تزدهر وتسطع شمسها على الأهرامات ومعابد طيبة، ظهر خطر غامض من قلب البحر المتوسط هز استقرار المنطقة بأكملها. هؤلاء كانوا يعرفون بـ شعوب البحر، تحالف مجهول الهوية من الغزاة الذين امتلكوا سفنًا حربية قوية، وجاؤوا طامعين في الاستيطان والسيطرة.

تضاربت الآراء حول أصولهم، فالبعض اعتبرهم قادمين من جزر بحر إيجة، وآخرون نسبوهم إلى آسيا الصغرى، فيما رآهم مؤرخون جزءًا من شعوب الميسينيين أو الإتروسكان. لكن الحقيقة بقيت غامضة، وكأن البحر أخفى سرّهم إلى الأبد.

المواجهة مع مرنبتاح

في عهد الملك مرنبتاح، رابع ملوك الأسرة التاسعة عشرة، تحالف شعوب البحر مع الليبيين في محاولة لغزو دلتا النيل، وفي السنة الخامسة من حكمه، شنّوا هجومًا واسعًا، لكن الجيش المصري تصدى لهم ببسالة، كما انتصر مرنبتاح وخلد انتصاره على جدران الكرنك وعلى شاهدة تاريخية تحدثت عن سحق قبائل مثل “شيردين” و”أكويش” و”شكلش”، إضافة إلى إخضاع مدن كنعان مثل عسقلان وجازر.

رمسيس الثالث ومعركة البحر الأولى

لم يتوقف شعوب البحر عند هذه الهزيمة بعد عقود، عادوا في زمن الملك رمسيس الثالث بقوة أكبر، ليخوضوا معه معركتين مصيريتين عام 1178 ق.م: واحدة برية عند جاهي، وأخرى بحرية على دلتا النيل، وتُعتبر أول معركة بحرية موثقة في التاريخ.

أعد رمسيس الثالث خطة محكمة، فنصب كمائن على الشواطئ ونشر رماةً على الضفاف، بينما ترقبت السفن المصرية قدوم الغزاة، وعندما اقتربت سفن شعوب البحر، استهدفت بوابل من السهام المشتعلة، فغرقت في مياه النيل وعلى اليابسة، واصل الجيش المصري سحق فلولهم، ونقشت تفاصيل هذا النصر العظيم على جدران معبد مدينة هابو، لتبقى شاهدة على أعظم مواجهة بحرية في العصور القديمة.

تأثير شعوب البحر على العالم القديم

لم يكونوا مجرد غزاة عابرين، بل قوة مدمرة ساهمت في سقوط حضارات كبرى مع نهاية العصر البرونزي، دمروا مدنًا تجارية في الشام، وهددوا الإمبراطورية الحثية، كما ظهروا أحيانًا كمرتزقة في جيوش الفراعنة قبل أن ينقلبوا إلى أعداء شرسين.

ومع ذلك، بقيت هويتهم غامضة، فحتى المؤرخ الفرنسي غاستون ماسبيرو الذي صاغ مصطلح “شعوب البحر” عام 1881، لم ينجح في تحديد أصولهم بدقة النقوش المصرية وصفتهم بأنهم “قوة لا يقدر أحد على صدها”، لكن دون أن تكشف سر موطنهم.

اختفاء مفاجئ ولغز خالد

بعد الهزيمة القاسية على يد رمسيس الثالث، تلاشى ذكر شعوب البحر من السجلات التاريخية، ربما اندمج بعضهم في المجتمعات المحلية، وربما عادوا إلى جزر مجهولة لكن آثارهم بقيت واضحة، إذ استنزفت حروبهم موارد مصر، بل وتسببت في أول إضراب عمالي معروف بالتاريخ حين توقف بناة المعابد عن العمل بسبب نقص الموارد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى