عادات و تقاليد

البرخة: غطاء الوجه القبلي الذي حمل أسرار النساء في الصحراء

أسماء صبحي – في المجتمعات القبلية العربية، لم يكن اللباس مجرد وسيلة للتستر أو الحماية من تقلبات الطبيعة الصحراوية. بل كان جزءًا من الهوية الثقافية والاجتماعية، ومرآة تظهر الانتماء والذوق والخصوصية. وبين القطع التي شكلت رمزًا فريدًا للمرأة البدوية في الماضي تبرز “البرخة” كغطاء وجه له طابع فني ووظيفي في آن واحد.

وهي ليست مجرد نقاب يغطي الوجه، بل قطعة فنية مصنوعة يدويًا، توارثتها النساء في القبائل جيلًا بعد جيل. وكانت دليلًا على المكانة الاجتماعية والهوية الإقليمية وحتى الحالة الزوجية.

ما هي البرخة؟

يطلق عليها في بعض المناطق اسم “البرقع” أو “النقاب البدوي”. وهي قطعة من القماش أو الجلد تلبس على الوجه، غالبًا تغطي الجبهة والأنف والفم، وتترك العيون مكشوفة. وتزين غالبًا بالتطريز اليدوي أو الخرز أو الخيوط الذهبية حسب المنطقة القبلية والطبقة الاجتماعية.

تختلف أشكال وألوان البرخة بين القبائل، لكنها تشترك في وظيفتها الأساسية. وهي إضفاء الوقار والخصوصية على المرأة، مع لمسة جمالية تقليدية.

المواد المستخدمة في صناعتها

تصنع هذه القطعة عادة من مواد تتوفر في البيئة المحلية مثل قماش قطني سميك أو مخمل أسود أو كحلي. ةجلد رقيق في بعض المناطق كجنوب الجزيرة العربية .خيوط ذهبية أو فضية للتطريز (يطلق عليها “السيم”). وخرز أو نقط نحاسية أو فضية للزينة.

وقد تطورت صناعتها لاحقًا لتشمل مواد حديثة، إلا أن بعض النساء في البادية ما زلن يفضلن النسخ التقليدية اليدوية.

أشكالها وأنواعها القبلية

بحسب اختلاف المناطق والقبائل، تنقسم البرخة إلى أنواع عدة، من أبرزها:

  • البرخة النجدية: تصنع من قماش غامق اللون (غالبًا أسود أو كحلي)، وتزين بخيط ذهبي في المنتصف. وتغطي الأنف والفم فقط، وتثبت بالخلف بخيط يُربط على الرأس.
  • الإماراتية أو الخليجية: تكون أكثر زخرفة ولمعانًا. وتستخدم فيها أقمشة مطعمة بخيوط فضية، وتظهر بشكل شبه معدني. وهذا النوع كان رمزًا للأناقة والثراء.
  • العمانية: تصمم بحيث تغطى الجبهة بشكل مقوس وتظهر العينان بشكل بارز. تكثر فيها الزخارف وتلبس في الأعراس.
  • البرخة الحجازية: كانت تستخدم بشكل عملي أكثر من الزينة. وتصنع من قماش خفيف وتُربط من الخلف دون تطريز زائد.

دلالاتها في المجتمع القبلي

لم تكن مجرد قطعة ملابس، بل كانت تحمل معان يودلالات مجتمعية عميقة:

  • رمز للعفة والاحترام: ارتداؤها كان إشارة إلى أن الفتاة بالغة، وتستحق الاحترام.
  • تمييز الحالة الاجتماعية: كانت المرأة المتزوجة ترتدي برخة تختلف عن العزباء أو الأرملة.
  • الهوية القبلية: يمكن تمييز قبيلة المرأة من شكل البرخة وتطريزها.
  • ذوق خاص: بعض النساء كن يتفنن في تزيين البرخة كوسيلة للتعبير عن الأناقة رغم بساطة البيئة.

البرخة في المناسبات القبلية

كانت هذه القطعة تظهر بأجمل صورها خلال الأعراس والمناسبات. حيث ترتدى برخة مزينة بالذهب والخرز. وفي الأعياد كانت النساء يلبسن البرقع المطرز والمخصص للمناسبات. بينما في الزيارات الرسمية بين العائلات أو القبائل يراعى الزي التقليدي الرسمي.

في هذه المناسبات، كان البرقع لا يقل أهمية عن الحلي. بل تفوق عليه في بعض الأحيان لأنه يحمل هوية المرأة القبلية بكل تفاصيلها.

قالت الدكتورة هيا العتيبي، الباحثة في التراث الشعبي والمشغولات اليدوية في جامعة الأميرة نورة، إن البرخة كانت تمثل للمرأة البدوية ما تمثله حقيبة اليد أو الحُلي للمرأة العصرية. وهي ليست مجرد غطاء، بل هوية وثقافة. وقد لاحظنا في بحوثنا الميدانية أن كل قبيلة كانت تمتلك نمطًا خاصًا بها في البرخة. ويمكن من خلاله التعرف على أصل المرأة ومنطقتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى