طبق المندي: أكلة المطبخ القبلي التي صمدت في وجه الزمن
أسماء صبحي – لطالما كان الطعام مرآة تعكس هوية الشعوب والقبائل، وتعبيرًا عن علاقتها بالطبيعة والبيئة المحيطة بها. وفي المطبخ القبلي العربي يبرز طبق المندي كأحد أبرز الأطباق التي حافظت على وجودها قرونًا طويلة. وظلت تطهى بنفس الطريقة التقليدية التي عرفها الأجداد في الصحارى والجبال، متحدّين قسوة المناخ وندرة الموارد.
المندي ليس مجرد طبق من الأرز واللحم، بل هو جزء من الموروث القبلي، يعبر عن الكرم، والمشاركة، والاحتفال. ويحمل في مكوناته وأسلوب طهيه قصة تروى عن الحياة البدوية الممتدة من جنوب الجزيرة العربية إلى صحراء الخليج والشام.
أصل طبق المندي وجذوره القبلية
يرجع أصل المندي إلى القبائل اليمنية القديمة، خاصة في مناطق حضرموت وشبوة. ثم انتقل مع حركة القبائل إلى مناطق الخليج العربي، والسعودية، وجنوب الأردن، والبادية السورية. وقد اعتمدت هذه القبائل على لحم الأغنام أو الإبل كمصدر رئيسي للغذاء. وكانت طريقة طهي المندي باستخدام الحفرة في الأرض مناسبة تمامًا للبيئة الصحراوية.
وكلمة “مندي” مشتقة من الجذر العربي “ندى”، أي رطب. في إشارة إلى أن اللحم في هذه الأكلة يطهى بطريقة تجعل داخله طريًا رطبًا دون أن يجف أو يحترق.
رمز للضيافة القبلية
في تقاليد القبائل العربية، يعتبر تقديم المندي من أعلى درجات الكرم. ويقدم في المناسبات الكبيرة مثل: الأعراس، الصلح القبلي، قدوم الضيوف المهمين، والأعياد.
وفي بعض القبائل، كانت مكانة الرجل تقاس بقدرته على ذبح الذبائح وإعداد المندي للضيوف. وهي عادة تعكس الأهمية الكبيرة لقيم الكرم وإكرام الضيف في الثقافة البدوية.
ويقول الدكتور عبد الله الدوسري، الباحث في التراث الغذائي العربي وعضو الجمعية السعودية للغذاء والتغذية: “أكلة المندي ليست مجرد طعام، بل هي نظام اجتماعي وتاريخي متكامل. وترتبط طريقة طهيها بالحفرة بظروف البيئة الصحراوية، وهي انعكاس مباشر للذكاء البيئي لدى القبائل البدوية. كما إن الحفاظ على طقوس المندي اليوم هو جزء من الحفاظ على هوية هذه المجتمعات.”
الاختلافات الإقليمية في إعداد المندي
رغم أن طريقة الطهي التقليدية واحدة، إلا أن كل منطقة قبلية أضفت لمستها الخاصة:
- مندي حضرموت: يعتمد على استخدام الفحم الطبيعي، وتتبيلة قوية بالأعشاب البرية.
- مندي عسير: يضاف إليه الزبيب واللوز ويطهى أحيانًا في قدور داخل أفران حجرية.
- مندي البادية الأردنية: يستخدم لحم الجمل غالبًا ويقدم مع اللبن الجميد.
- مندي الخليج: أكثر اعتدالًا في التوابل ويطهى حاليًا في أفران مندي كهربائية.
المندي في المهرجانات والمناسبات الثقافية
حرصت بعض الدول الخليجية والعربية على توثيق أكلة المندي في مهرجاناتها التراثية منها:
- مهرجان الجنادرية في السعودية)، حيث يتم فيه عرض طرق طهي المندي التقليدية.
- مهرجان المأكولات الشعبية (الإمارات): يشمل مسابقات لأفضل مندي.
- مهرجان نجران للتراث: يستعرض المندي كجزء من حياة البادية في جنوب المملكة.
قيم يحملها طبق المندي
ما يميز المندي ليس فقط مذاقه، بل ما يحمله من معاني مثل: الكرم لأن إعداد المندي يتطلب وقتًا وذبحًا وكمية كبيرة من اللحم. والمشاركة حيث يؤكل جماعيًا ويجتمع حوله الناس، والهوية فهو تمثيل حقيقي لهوية المطبخ القبلي. والارتباط بالمكان حيث يعتمد على الأرض والنار والمكونات المحلية.



