مدينة الأشمونين في المنيا.. العاصمة المنسية ومرآة الفكر الديني في مصر القديمة

أسماء صبحي – على الضفة الغربية لنهر النيل شمال محافظة المنيا، تقع مدينة الأشمونين التي كانت في العصور الفرعونية تعرف باسم “خمنو” أو هيراكلوبوليس”. وهذه المدينة العريقة لم تكن مجرد مركز إداري أو ديني فحسب، بل كانت عاصمة لمصر العليا في أوقات حرجة من تاريخها. واحتضنت أحد أهم مراكز الفكر الديني والكوني في الدولة المصرية القديمة.
ورغم أنها الآن منطقة أثرية شبه منسية، إلا أن من يزور أطلالها يشعر بأنه يسير وسط صفحات حية من التاريخ. حيث المعابد والتماثيل والنقوش والكتابات التي تختزن أسرار آلاف السنين من الحضارة.
موقع مدينة الأشمونين
تقع المدينة غرب مدينة ملوي بمحافظة المنيا، وتحديدًا في منطقة تُعرف باسم قرية الأشمونين الحالية. وكان اسمها في مصر القديمة “خمنو”، أي “مدينة الثمانية المقدسة”. وهي إشارة إلى الثامون المقدس في العقيدة المصرية، والذين كانوا يمثلون القوى الأولى التي ظهرت عند خلق الكون.
وسماها الإغريق لاحقًا هيراكلوبوليس Magna، نسبة للإله الإغريقي “هيراكليس” الذي رأوا فيه تشابهًا مع الإله المصري “حتحور” أو “تحوت”.
الأهمية الدينية والفكرية
الأشمونين كانت مركزًا دينيًا مهمًا لعبادة الإله تحوت، رب الحكمة والكتابة والعلوم. وفي هذه المدينة وضعت أسس الأسطورة الكونية التي تفسر نشأة الكون في المعتقد المصري. حيث تصور المصريون القدماء أن “تحوت” نظم الفوضى وأوجد الزمان والمكان وكان كاتب الآلهة وحافظ التوازن في الكون.
وكان بها بيت الحياة (Per Ankh) وهو أحد أقدم المؤسسات التعليمية والدينية في مصر القديمة. التي تخصصت في حفظ النصوص المقدسة، وتدريب الكهنة، وتوثيق المعارف الطبية والفلكية والدينية.
المعالم الأثرية في الأشمونين
رغم أن كثيرًا من آثار المدينة دمرت أو دفنت تحت الأرض. إلا أن الموقع لا يزال يحتفظ بعدد من القطع الأثرية المذهلة، أبرزها:
- تماثيل الثامون المقدس: تضم الأشمونين مجموعة فريدة من تماثيل حجرية ضخمة تمثل “الآلهة الثمانية” الذين شكلوا العالم في الأسطورة المصرية. وهي منحوتات فريدة تجمع بين الأشكال البشرية والحيوانية.
- بقايا معبد تحوت: توجد أطلال لمعبد مخصص للإله “تحوت”. ويحتوي على أعمدة ذات تيجان مزخرفة ونقوش هيروغليفية رائعة تروي طقوسًا دينية وأساطير كونية.
- لوحات حجرية وتماثيل حيوانية: من بينها لوحات تصور الإله “بابون” (قرد مقدس مرتبط بتحوت). وتماثيل حيوانات تمثل قوى رمزية، مثل اللقالق والضفادع التي كانت جزءًا من الفكر الديني المحلي.
- كنيسة قبطية أثرية: إلى جانب الآثار الفرعونية، تضم الأشمونين بقايا كنيسة قبطية أثرية تعود إلى القرنين الرابع والخامس الميلادي. وهي دليل على الاستمرارية الحضارية والدينية في الموقع.
وقال الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية بوزارة السياحة والآثار، أن مدينة الأشمونين من أهم المدن الدينية القديمة في مصر. حيث تمثل مركزًا فكريًا متفردًا في التاريخ المصري، وأحد أبرز الأماكن التي حفظت الموروث الديني والفلسفي للقدماء المصريين. ولا يزال الموقع يحتوي على آثار تحتاج إلى مزيد من التوثيق والترميم. ويمكن أن يكون نقطة جذب سياحي وتعليمي إذا أُعيد إبرازه إعلاميًا وسياحيًا.
وأضاف: “ما يميز الأشمونين هو المزج النادر بين الأسطورة والعلم، فهي مدينة الأساطير الكونية واللغة المقدسة. ومهد من مهود الفكر الفلسفي والديني في وادي النيل”.
جهود إحياء المدين
في السنوات الأخيرة، بدأت وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع بعثات أجنبية. خصوصًا الألمانية والفرنسية، تنفيذ أعمال تنقيب وتوثيق أثري بالموقع.
كما أطلقت وزارة الثقافة عددًا من الفعاليات الثقافية لتعريف طلاب الجامعات والمدارس بتاريخ المدينة. وهناك مطالبات بتحويل المنطقة إلى متحف مفتوح، نظرًا لتنوع آثارها وتفردها من حيث الأسطورة والدين والتاريخ.



