منطقة الظفرة: بوابة الإمارات إلى مستقبل الطاقة النووية السلمية
أسماء صبحي – تمثل منطقة الظفرة في إمارة أبوظبي إحدى الركائز الجغرافية والاستراتيجية الكبرى في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى قلب المشروع الإماراتي الطموح في مجال الطاقة النووية السلمية، مع احتضانها محطة براكة للطاقة النووية. وهي أول محطة نووية من نوعها في العالم العربي. وهذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل جزء من استراتيجية وطنية تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتمكين المعرفة التكنولوجية المحلية.
منطقة الظفرة
تقع الظفرة في الجزء الغربي من إمارة أبوظبي، وتمثل حوالي 71% من إجمالي مساحة الإمارة. وتتميز بتنوع طبيعي وبيئي واسع النطاق، إضافة إلى كونها منطقة غنية بالموارد النفطية. لكن، خلال العقد الأخير، تحولت هذه المنطقة من مجرد مركز للإنتاج النفطي. إلى قاعدة متقدمة لاحتضان التقنيات المستقبلية في مجال الطاقة النظيفة، وفي مقدمتها الطاقة النووية السلمية.
محطة براكة
تعد محطة براكة للطاقة النووية، التي تقع في منطقة الظفرة، المشروع النووي الأول من نوعه في العالم العربي. وقد تم تطويرها وفق أعلى معايير الأمان والجودة بالشراكة مع كوريا الجنوبية، عبر مؤسسة KEPCO. وتحت إشراف الهيئة الاتحادية للرقابة النووية في الإمارات.
المشروع يضم أربع وحدات نووية، تم تشغيل ثلاث منها حتى الآن بنجاح. وتنتج هذه الوحدات أكثر من 4,200 ميغاواط من الكهرباء، ما يعادل أكثر من 25% من احتياجات الإمارات من الطاقة الكهربائية؟
لماذا اختارت الإمارات الطاقة النووية السلمية؟
مع النمو السكاني والصناعي السريع، واجهت الإمارات تحديات متزايدة في تأمين طاقة موثوقة ومستدامة. خصوصًا أن الاعتماد على النفط والغاز وحده لم يعد كافيًا لضمان الاستدامة البيئية والاقتصادية على المدى الطويل. ومن هنا، برزت الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، وتوفير بدائل نظيفة، وآمنة، ومستدامة.
وجاءت الطاقة النووية كخيار مثالي، ليس فقط لتوليد الكهرباء بكفاءة بل أيضًا لتقليل الانبعاثات الكربونية. وهو ما يتماشى مع التزامات الإمارات في مؤتمر المناخ COP28. ومع مبادرتها لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050.
استثمار في العقول والكوادر الوطنية
واحدة من الأهداف الجوهرية لمشروع براكة هو تمكين الكفاءات الإماراتية في قطاع الطاقة النووية. فقد تم تدريب مئات من المهندسين والفنيين الإماراتيين داخل الدولة وخارجها. بالتعاون مع مؤسسات تعليمية دولية مثل المعهد الكوري للطاقة الذرية وجامعة خليفة.
يعمل اليوم في محطة براكة أكثر من 60% من الكوادر الوظيفية من المواطنين. كثير منهم في مواقع قيادية وهندسية حساسة، ما يعكس رؤية استراتيجية لإرساء المعرفة النووية على قاعدة وطنية.
الأمان النووي
أولت الإمارات أهمية قصوى لموضوع السلامة النووية منذ بداية المشروع. وقد تم تأسيس الهيئة الاتحادية للرقابة النووية (FANR) لتكون الجهة المستقلة المسؤولة عن تنظيم ورقابة القطاع النووي. وتم الالتزام بجميع المعايير الدولية الصارمة في مجال السلامة والأمن النووي. من خلال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، ومنظمات رقابية أخرى.
في هذا السياق، حصلت محطة براكة على عدد من الشهادات الدولية. وتخضع باستمرار لتقييمات فنية ومراجعات مهنية لضمان التشغيل الآمن والمستدام.
الآثار البيئية الإيجابية
على عكس ما يعتقد عن الطاقة النووية، فإن براكة تعد أحد الحلول الخضراء في مواجهة التغير المناخي. فبحسب مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، فإن الوحدات الثلاث العاملة حتى الآن توفر نحو 22 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنويًا. وهو ما يعادل إزالة 4.8 مليون سيارة من الطرق.
تساهم براكة أيضًا في دعم أهداف الدولة المتعلقة بـ التنمية المستدامة، وتوفير مصادر طاقة خالية من الكربون. إلى جانب تعزيز أمن الطاقة بعيدًا عن تقلبات أسعار الوقود الأحفوري.
التكامل مع مزيج الطاقة الوطني
يعد مشروع براكة جزءًا من مزيج الطاقة الوطني المتكامل الذي تسعى الإمارات إلى تحقيقه. حيث يتكامل مع مشاريع الطاقة الشمسية مثل مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، ومحطة “نور أبوظبي”. إضافة إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر.
يهدف هذا المزيج الطاقي المتوازن إلى تلبية الطلب المتزايد، دون الإخلال بالأهداف البيئية. وهو ما يعزز مكانة الإمارات كدولة رائدة في مجال التحول الطاقي في الشرق الأوسط.



