محمد سلطان باشا من نجم الأعيان إلى خنجر في ظهر الثورة العرابية

في أواخر القرن التاسع عشر، دوى اسم محمد سلطان باشا في التاريخ المصري كأحد أبرز رموز التحول من الوطنية إلى الخيانة، بعدما جلس على رأس مجلس الأعيان في عهد الخديو توفيق. في بدايات الثورة العرابية عام 1881، ظن البعض أن هذا الرجل يقف إلى جانب المطالب الشعبية، لكن مواقفه سرعان ما كشفت نواياه الحقيقية، حين اختار أن يبيع شرف وطنه في مقابل رضى الاحتلال البريطاني.
قصة محمد سلطان باشا
في بدايات التحرك الشعبي، أبدى سلطان باشا تأييده للثوار، وظهر كوسيط بين قادة العرابيين والقنصل الفرنسي سنكفكس، كما نقل مقترحات تظاهر بأنها تسوية للأزمة، تضمنت استقالة وزارة البارودي، نفي عرابي مؤقتًا مع الإبقاء على رتبته، وإبعاد كل من علي فهمي وعبد العال حلمي إلى الأرياف،تلك المبادرات أثارت شكوك قادة الثورة الذين أدركوا الهدف الخفي وراءها، فرفضوا الانصياع، وهنا اتضحت خيوط التحول في موقف سلطان باشا الذي غادر صفوفهم وانضم إلى معسكر الخديو توفيق بكل ما يحمل ذلك من دلالات خطيرة.
مع دخول قوات الاحتلال البريطاني الأراضي المصرية، لم يتردد سلطان باشا في أن يضع يده بيد الغزاة، حيث رافق قواتهم ممثلًا عن الخديو، وراح يحث المصريين على عدم المقاومة، مطالبًا إياهم بتقديم الدعم للمعتدين، كما امتد تأثيره إلى القبائل العربية، فاستغل نفوذه الشخصي لإقناع بعض زعمائها بالوقوف في صف العدو، وساهم بإحضار المرشدين الذين قادوا القوات البريطانية خلال الصحراء حتى وصلوا إلى قلب العاصمة المصرية.
ما قام به سلطان باشا لم يتوقف عند حدود التواطؤ، بل تعدى ذلك إلى مستوى الشراكة المباشرة مع المحتل، كما قدم هدايا فاخرة لقادة الاحتلال مثل الأميرال سيمور والجنرال ولسلي والجنرال دروري لو، كانت عبارة عن أسلحة نادرة وتحف عسكرية، تعبيرًا عن امتنانه لهم على ما وصفه بـإنقاذ البلاد من العصاة، كما نشر في جريدة الوقائع المصرية الرسمية.
ولم يكتف بالمدح والتكريم، بل تعاون مع عثمان رفعت ياور الخديو، ليمزقا الصف العرابي من الداخل عملا سويًا على استغلال الصراعات الشخصية والحسد بين الضباط الوطنيين، فاستمالا شخصيات مؤثرة داخل الجيش مثل عبد الرحمن حسن قائد السواري، وعلي يوسف الشهير بخنفس، ليدخلا صفوف الثورة ويعملان ضدها في الخفاء، كما أقنع زعماء قبائل مثل مسعود الطحاوي ومحمد البقلي بموالاة الاحتلال، فتحولوا إلى عيون للبريطانيين في الداخل المصري.
جاءت المكافأة سريعًا، فقد نال سلطان باشا لقب سير من الملكة فيكتوريا، وتلقت خزائنه عشرة آلاف جنيه ذهبي من أموال الخديو، تعبيرًا عن رضى الاحتلال عن خدماته، لكن ذاكرة التاريخ لم تمنحه نفس التقدير العديد من المؤرخين المصريين وثقوا هذه الخيانة في مؤلفاتهم، فأطلق عليه عبد الرحمن الرافعي لقب جلاد الثورة، ونعته زكي مجاهد بأنه السيف الذي سلّطه الخديو على عنق المقاومة، أما رشيد رضا فقد قال عنه إنه باع بلاده مقابل الرشوة رغم ما كان يملكه من ثراء.



