جهينة تكتب التاريخ.. كيف حول الصعيد قرية صغيرة إلى مقبرة للغزاة الفرنسيين

في صباح العاشر من أبريل سنة ١٧٩٩ اشتعلت أرض جهينة بمحافظة سوهاج بروح المقاومة، وتحولت من قرية بسيطة إلى ساحة مواجهة نادرة ضد الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت بحثًا عن السيطرة على مصر وقطع طرق بريطانيا إلى الهند، لكن تراب جهينة وأهلها الأشداء كان لهم رأي آخر.
كيف حول الصعيد قرية صغيرة إلى مقبرة للغزاة الفرنسيين
بدأت الحملة الفرنسية في ١٧٩٨ عندما دخل نابليون مصر واعتقد أن جيشه المدجج بالسلاح والمدافع سيكفي لإخضاع المصريين، لكن مقاومة الشعب كانت أشد من توقعاته وبعد معركة أبو قير البحرية التي دمر فيها الأسطول البريطاني، بقيادة نيلسون الأسطول الفرنسي وجد الفرنسيون أنفسهم معزولين بلا دعم ومحاطين بشعب لا يخضع.
انطلقت انتفاضة القاهرة ضد الفرنسيين وتوسعت شرارة الغضب إلى الصعيد، حيث توحدت القبائل والمماليك الهاربون من القاهرة وبدأت المقاومة الشعبية في الظهور، وكان لصعيد مصر بطبيعته الوعرة وتحالف قبائله دور بارز في صد العدوان ومن بين القرى برزت جهينة كقلعة للمقاومة الصعيدية.
قرر أهل جهينة بدعم من القبائل المجاورة مواجهة الفرنسيين بشجاعة، واستعدوا ليوم المعركة بعقد اجتماعات سرية وتنظيم كمائن وسط التلال والوديان جمعوا الأسلحة البدائية من بنادق وسيوف وخناجر، واستغلوا معرفتهم الجيدة بأرضهم وقسموا أنفسهم إلى مجموعات صغيرة اختبأت في الحقول والممرات الضيقة.
قاد الجنرال الفرنسي لويس نيكولا دافو حملة على جهينة بقوة مجهزة بالمدافع والخيالة، وكان هدفه فرض السيطرة على القرى المتمردة لكنه لم يتوقع أن يقابل مقاومة شرسة من فلاحين بدوا بسطاء لكنهم أخفوا في صدورهم قلوب أسود.
انطلقت الهجمات المصرية فور اقتراب الفرنسيين واجه الجنود الفرنسيون تكتيكات حرب العصابات وهجمات مباغتة أربكت تحركاتهم تراجعت الخيالة في الممرات الضيقة تحت وابل الحجارة والنيران، وفشلت المدافع الفرنسية في إصابة أهداف وسط التضاريس، بينما استخدم المقاومون الطبيعة لصالحهم فتحركوا كالأشباح وضربوا بدقة واختفوا بسرعة.
في لحظة حاسمة قطع المقاومون خطوط إمداد الجيش الفرنسي ورفعوا رايات محلية مصنوعة يدويًا تعلن عن تحد لا ينكسر وعندما وجد دافو أن الموقف يزداد خطورة أصدر أوامره بالانسحاب فترك جنوده خلفهم الجرحى والمعدات وخرجوا من جهينة بهزيمة نكراء.
تجلت في معركة جهينة وحدة حقيقية بين أبناء الصعيد شيوخ القبائل نظموا الدفاع وحشدوا المقاتلين والفلاحون تركوا أدوات الزراعة وحملوا السلاح والنساء قدمن الطعام والماء ونقلن الأخبار وسط أرض ملتهبة بالتحدي والتضحية
حقق أهل جهينة وقبائل الصعيد نصرًا ساحقًا وأجبروا الفرنسيين على التراجع تاركين خلفهم رسالة واضحة أن تراب مصر لا يرحم الغزاة ومن يومها أصبح العاشر من أبريل عيدًا قوميًا يحتفل به أبناء سوهاج ويتغنون ببطولات الأجداد الذين حوّلوا قرية صغيرة إلى قلعة منيعة.



