معركة نهر الدم التي خلدت اسم خالد بن الوليد وأرعبت الإمبراطورية الساسانية
في ربيع الأول من السنة الثانية عشرة للهجرة شهدت قرية أليس الواقعة على ضفاف نهر الفرات في منطقة الأنبار العراقية معركة استثنائية دخلت كتب التاريخ تحت اسم نهر الدم لما حملته من مشاهد غير مسبوقة في الفتوحات الإسلامية، حيث واجه جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد تحالفا ضخما من قوات الفرس ونصارى العرب بقيادة القائد الفارسي جابان، فانتهت المعركة بانتصار ساحق قلب موازين القوى في العراق.
تاريخ معركة نهر الدم
وقعت هذه المعركة بعد انتصار المسلمين في معركة الولجة التي كانت صفعة قوية لفرس العراق وأثارت موجة من الغضب بين نصارى العرب خاصة من قبائل عجل وتيم اللات وضبيعة وبعض عشائر الحيرة، فقد سقط في تلك المعركة اثنان من أبناء زعماء هذه القبائل مما دفعهم إلى التوجه نحو كسرى يزدجرد الثالث طلبا للدعم العسكري للثأر من المسلمين.
رأى كسرى في هذا الطلب فرصة لتعويض الهزيمة السابقة واستعادة هيبة الدولة الساسانية، فأمر قائده الشهير بهمن جاذويه بالانضمام إلى نصارى أليس والتصدي للجيش الإسلامي، لكن ظروفا طارئة أجبرت بهمن على العودة إلى المدائن فأسند القيادة إلى جابان الذي كان واحدا من أشرس قادة الفرس وأكثرهم خبرة.
اختيرت أليس كموقع للمعركة لوقوعها قرب نهر الفرات وعلى مسافة قريبة من مدينة الحيرة مما جعلها نقطة تجمع استراتيجية لقوات التحالف التي بلغ عددها أكثر من مئة وخمسين ألف مقاتل من الفرس المدربين ونصارى العرب، هذه القوة الضخمة جعلت العدو يستهين بقدرة المسلمين على المواجهة ويتصرف بثقة زائدة ظنا منهم أن النصر سيكون محسوما منذ اللحظة الأولى.
وصل خالد بن الوليد إلى موقع أليس بعد مسيرة شاقة وكان عدد جيشه أقل بكثير من عدد خصومه لكنه تمتع بانضباط شديد ومعنويات عالية بفضل القيادة الذكية والحاسمة لخالد الذي فاجأ العدو وهو في حالة استرخاء يتناول الطعام دون أي استعداد للمواجهة.
في بداية المواجهة طلب جابان من جنوده ترك الطعام والتأهب للقتال لكنهم رفضوا وأبدوا استهزاء بالمسلمين، بل إنه اقترح وضع السم في الطعام لقتل المسلمين في حال انتصروا لكن الجيش رفض أيضا هذا الاقتراح وفضل خوض المعركة واثقا من تفوقه العددي والسلاح المتقدم لديه.
خالد أدرك ضعف العدو بسبب غروره فأمر جنوده بوضع الأثقال ورفع الجاهزية القصوى، ثم نظم صفوفه جيدا وكلف وحدة خاصة بحماية المؤخرة تحسبا لهجوم مباغت، بعدها تقدم إلى خط المواجهة الأمامي ونادى بأسماء قادة الأعداء متحديا إياهم واحدا تلو الآخر مما زرع الخوف في صفوفهم، ولم يرد عليه سوى مالك بن قيس الذي بارزه خالد وقتله بضربة مباشرة ما رفع من معنويات المسلمين وزاد في ارتباك التحالف.
بدأ القتال بعد أن أعطى خالد إشارة الهجوم فاشتعلت المعركة بشراسة، وتمسك الفرس ونصارى العرب بمواقعهم أملا في وصول الإمدادات من المدائن بقيادة بهمن، لكن وحدة مقاتلي بكر بن وائل من المسلمين أبدت بسالة شديدة خصوصا ضد أقاربهم من نصارى العرب فساهم ذلك في تفتيت التحالف من الداخل.
في لحظة حاسمة نذر خالد نذرا غريبا حين قال اللهم إن لك علي إن منحتنا ظهورهم ألا أستبقي منهم أحدا حتى أجري نهرهم بدمائهم، هذا النذر رفع من حماس الجنود المسلمين فقاتلوا بضراوة حتى انهارت صفوف العدو بالكامل وبدأت عملية مطاردتهم وأسرهم على نطاق واسع.
بعد النصر أمر خالد بأسر من تبقى من جيش التحالف ثم بدأ تنفيذ نذره، فأمر بسد مجرى نهر أليس وجعل الأسرى في طابور طويل وأمر بقطع رؤوسهم واحدة تلو الأخرى طوال يوم كامل، غير أن النهر لم يجر دما كما أراد، فقال له القعقاع بن عمرو التميمي لو قتلت أهل الأرض جميعا لما جرت دماؤهم أرسل الماء على الدماء، فوافق خالد على الاقتراح وفُتح الماء على الدماء فامتزجت وجرت في النهر فسُمي بعد ذلك نهر الدم.
تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن عدد القتلى تجاوز السبعين ألفا من جيش الفرس ونصارى العرب، وهو رقم ضخم أثار الجدل بين المؤرخين حول دقته وحول طبيعة النذر الذي نفذه خالد، فالبعض اعتبره خطوة نفسية هدفها إرهاب الفرس وإضعاف معنوياتهم في باقي المعارك بينما رأى آخرون أن ما جرى كان مشهدا دمويا لا مثيل له في التاريخ الإسلامي وربما يكون العدد مبالغا فيه في بعض الروايات.
وردت تفاصيل معركة أليس في عدد من المصادر التاريخية الموثوقة مثل تاريخ الطبري ومعجم البلدان لياقوت الحموي وكتاب الخلفاء الراشدون لعبد الوهاب النجار وتاريخ الخلفاء لرضا محمد بالإضافة إلى البداية والنهاية لابن كثير والكامل في التاريخ لابن الأثير وكتاب التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر.
معركة نهر الدم لم تكن مجرد نصر عسكري بل كانت نقطة تحول مفصلية أرعبت الإمبراطورية الساسانية وأظهرت عبقرية خالد بن الوليد في القيادة والتكتيك مما جعله أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي.



