جامع خاين بك.. مسجد الخيانة الذي سكت فيه الأذان

وسط أزقة الدرب الأحمر في القاهرة، يقف جامع الأمير خاير بك شامخًا بين معالم المنطقة التاريخية، لكن اسمه لا يُذكر إلا مقرونًا بالخيانة، حتى أن العامة أطلقوا عليه “خاين بك”، ليصبح مع الزمن رمزًا لعاقبة الغدر، فقد أسسه خاير بك عام 908هـ – 1502م ليكون شاهدًا على رحلته من العبودية إلى الخيانة، وعلى مسجد بقي قرونًا دون أن يرفع فيه الأذان.
من مملوك بسيط إلى خائن عظيم
بدأت حكاية خاير بك من قرية صمصوم في بلاد الكرج، حيث جُلب إلى مصر ليكون أحد مماليك السلطان قايتباي، ومع مرور السنوات تدرج في المناصب حتى صار في عهد السلطان قنصوة الغوري نائبًا له في حلب، لكنه كان يخطط لشيء آخر، ففي معركة مرج دابق عام 1516، انسحب من الجيش المملوكي باتفاق مسبق مع العثمانيين، ليسهل سقوط مصر في يد السلطان سليم الأول.
لم يكتفى بذلك، بل لعب دورًا رئيسيًا في إعدام السلطان طومان باي عام 1517، فأصبح في نظر المصريين “خاين بك”، وكان جزاؤه من العثمانيين تعيينه نائبًا للسلطان في مصر حتى وفاته عام 928هـ – 1522م، حيث دفن في مسجده الذي حمل اسمه، لكنه لم يحمل إرثًا محمودًا.
تحفة معمارية بنكهة مملوكية
يمثل جامع خاير بك نموذجًا للمدارس المملوكية بتصميمه الفريد، إذ يتوسطه صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات، ويقع المنبر في إيوان القبلة الجنوبي، بينما يتميز الإيوانان الشرقي والغربي بعمقهما اللافت مقارنة بإيوان القبلة، في ظاهرة معمارية نادرة، أما الضريح فيقع تحت قبة بصلية الشكل تزينها زخارف نباتية دقيقة تعكس جمال العمارة الإسلامية في ذلك العصر.
مسجد بلا صلاة.. لعنة التاريخ أم خطأ معماري
رغم هندسته الفريدة، لم تقم الصلاة في المسجد سوى عشرين عامًا فقط، فقد اكتشف بعد وفاة خاير بك خطأ في زاوية القبلة، مما أدى إلى توقف الصلاة فيه، لكن كثيرين رأوا أن ما حدث ليس مجرد خطأ معماري، بل عقاب إلهي لرجل خان أمته، فبقي المسجد مهجورًا، يردد جدرانه أصداء آيات سورة الفتح دون أن يرفع فيه أذان.



