تاريخ ومزارات

مسجد العجمي في غزة القديمة… تسعمئة عام من الصمود والتراث الحي

في قلب حي الزيتون شرق مدينة غزة، يحتفظ مسجد العجمي الأثري بمكانته الخاصة، رغم مرور قرون من التحولات السياسية والاجتماعية، أسسه الشيخ علي بن محمود العجمي قبل نحو 950 عاما، وما زال يحتفظ بعناصره المعمارية الأصلية دون أن تتغير ملامحه تحت وطأة الزمن أو النزاعات المتتالية.

تاريخ مسجد العجمي

يقع المسجد في شارع المحكمة التاريخي، تحيط به معالم أثرية متعددة، وتزين مدخله لوحة رخامية تأسيسية نقشت عليها آيات قرآنية وتاريخ إنشاء المسجد الذي يعود إلى عام 376 هجري، لم يخضع المسجد لأي ترميمات كبرى طوال هذه الفترة، ما يجعله شاهدا حيا على عمق الجذور الدينية والمعمارية في قطاع غزة.

يتكون المسجد من ثلاثة أروقة داخلية، وكان كل رواق منها مخصصا لشيخ يعلّم الأطفال القرآن الكريم، ويضم المسجد محرابين قديمين، بينما تخلو قاعته الرئيسية من الأعمدة الوسطية، إذ اكتفى البناؤون بالأعمدة الجانبية المصنوعة من حجارة رسوبية سميكة، وفي الساحة الخارجية توجد غرفتان، الأولى دُفن فيها الشيخ العجمي، والثانية خصصت لدفن الإمام الصيحاني، أحد علماء المذهب الحنفي في غزة.

مر المسجد بتجارب قاسية عبر التاريخ، إذ واجه الاحتلالات والحروب، بدءا من الغزو البريطاني مرورا بالحرب العالمية الأولى، وصولا إلى اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي رغم كل ذلك، حافظ المسجد على هدوئه وعبق ماضيه، واستقبل الوفود والزوار من مختلف الدول العربية والإسلامية، الذين توافدوا إليه على مر السنين.

إمام المسجد الحالي، نبيل برزق، يوضح أن العجمي من أقدم مساجد غزة وأهم معالم حي الزيتون العتيق، وقد لعب دورا تعليميا بارزا منذ تأسيسه قبل تسعة قرون، تحول إلى مدرسة قرآنية كانت تُخرّج حفظة القرآن من الأطفال، حيث جلس الشيخ في أحد الأركان يعلّم الصغار، كما يؤكد أن المسجد ظل صامدا رغم كل التحديات.

يمتد المسجد على مساحة 250 مترا مربعا، وتحيط به المدرسة الكاملية التي سميت نسبة إلى السلطان الكامل ابن خالة صلاح الدين الأيوبي، وفي فترة الحرب العالمية الأولى، تحول المسجد إلى مستشفى للولادة، ولا تزال المغسلة الخاصة بالمولودين موجودة حتى اليوم بجوار تلك الغرفة، عاش مفتي فلسطين الإمام الصيحاني قبل 800 عام، وكان يستقبل الزوار من مختلف أنحاء غزة للاستشارة في أمور الفقه والحياة العامة.

وخلال الحرب العالمية الأولى، تعرضت مئذنة المسجد المصنوعة من خشب الزان، والتي تم إحضارها من مدينة حلب، إلى تدمير جوي بفعل قصف الطائرات البريطانية أما في انتفاضة الحجارة، فشهد المسجد انتهاكات متكررة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي اقتحمت المكان وكسرت نوافذه وأبوابه.

منذ أكثر من خمسة قرون، يواصل العلماء تدريس العلوم الشرعية في هذا المسجد العريق، ومن بين الزوار البارزين الذين قدموا إليه عبر الزمن، الإمام النابلسي وآسيا ابنة الإمام الشافعي، التي دُفنت بالقرب منه، وكذلك المقرئ المصري الشهير محمود خليل الحصري، كما اعتاد الأتراك زيارة المسجد خلال عيد الأضحى المبارك.

يشعر المصلون في مسجد العجمي براحة نفسية خاصة، لا يجدونها في المساجد الحديثة، هذا الشعور ينبع من البساطة والروحانية التي تميز المساجد الأثرية، مثل المسجد العمري الكبير ومسجد السيد هاشم ومسجد كاتب ولاية، والتي تحيط بمسجد العجمي في الحي القديم.

ورغم قيمته التاريخية الكبيرة، يعاني مسجد العجمي من الإهمال، مثل غيره من المساجد القديمة، تغيب عنه أعمال الترميم الدورية، وتفتقر الجهود الرسمية والمؤسسية لرعايته وصون تفاصيله المعمارية الدقيقة مع ذلك، تظل الأصوات المطالبة بالحفاظ عليه ترتفع من حين إلى آخر، حرصا على إبقائه شاهدا نابضا على تاريخ غزة العريق، ومعلما من معالم الهوية الفلسطينية في وجه التحديات المتراكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى