كتابنا

السوريالية وحداثوية القصيدة الجديدة ( قصيدة المعنى )

"من الشعر المنثور ... إلى قصيدة النثر"

 

حاتم عبدالهادى السيد

عبرت ” قصيدة النثر” فضاءات أكثر تجديدية في مسيرة الشعر العربى المعاصر،وأطَّرت لذوق ومخيال كونى غير كل المفاهيم عن شكل ومضمونية القصيدة، وموسيقاها، وتخلى عن الأوزان والقافية ليستعيض بهارمونى النص عن البناء القديم،كما استشرفت رؤى وصوراً أكثر غرابة، وجمالاً عن ذى قبل، بل – وأراها – قد جددت الثوب القشيب للقصيدة العمودية التى خرجت من رحمها كذلك، كما جددت النثر أيضاً ؛ فهى ليست مقطوعة الجذور، وغدا وهج ” شمس الحداثة ضافياً على المنتوج الشعرى بشكل عام؛ بل أراها قد رفدت القصيدة العمودية بتصاويرية جديدة، فغدا العموديون ينهلون من تراكمات المعانى،والصور الجديدة؛ ليستفيد المنجر الشعرى التراثى من معين تلك المدرسة الشعرية الجديدة، ولست مع الذين يتنصلون من وجودها،أو تسميتها، لكنها أصبحت موجودة بفعل الذائقة،وبفعل التاريخانية والتطور؛وغدت جماهيريتها في تزايد؛ مما أوسع لها مكانة مرموقة في مسيرة الشعرية العربية بشكل عام .

أما “قصيدة المعنى ” التى – أصطلحها – فهى القصيدة التى تعتمد الموضوع كمحرك لسياق فضاءات القصيدة،وتعتمد المعنى الماورائى للمعنى المباشر، كما تعتمد الإزاحة للوصول إلى المعنى الذى يتقصده الشاعر، كما تعتمد الإيجاز، وتعالقات المعنى ” التضمين الإحالى ” للوصول إلى غائية المعنى الذى قصده الشاعر؛ وهى قصيدة تعتمد خفوت الموسيقا إلى أقصى حد، وتجرد الموضوع ” كشجرة سوريالية، أو شجرة عراها الخريف؛ لكنها تشى بجمال الوضوح رغم عراء المنظر من الأوراق الخضراء، وهى قصيدة تعتمد تراكمات المعنى وترميزيته للوصول إلى غاية ذاتية: ” صوفية الذات ” عبر الفطرة التى تتجرد لتشى بحقيقة الجمال الإنسانى عبر اليقين، والبرهان، والتصوف الذاتى؛ وتلك – لعمرى – أبرز خصيصات القصيدة المابعد حداثية- التى أوردها هنا – كمعطى جمالى للقصيدة الجديدة التى تتجرد بنثريتها عن الغنائية، وتخفت بموسيقاها وايقاعاتها عن قصيدة النثر، أى أن الإيقاع أقل خفوتاً ، فهى أقرب إلى الشعر المرسل – في بداياته – لكنها تتخالف معه في مضامينيتها التى أوردتها سلفاً .

وفى ديوان : ” شماتة الكائنات” للشاعر الجميل د. / محمد زيدان نرى الكثير من ملامح تلك القصيدة ؛” قصيدة المعنى “عبر فضاءات تغايرية للشعرية الجديدة،متمثلة في الشعر المنثور بداية ؛ وقصيدة النثر التى أطرت لها مكاناً حداثوياً في ذائقة الشعر العربى المعاصر، وإن ارتفعت قصيدة المعنى ، أو خفتت عن كليهما كذلك .

وفى قصيدته ” شماتة الكائنات ” التى أطلقها على عنوان الديوان – كذلك – يذكرنا الشاعر / محمد زيدان ببرديات الفلاح الفصيح،و بالشعر الفرعونى الذى يدعو إلى التوحيد؛ وإلى القيم الجميلة : لا تسرق، لا تشمت بى أحداً ، ولا تلوث النهر؛ ومناجاة الإله / الذات / الوجود / الكون / العالم / الحياة ؛وكلها دعوات يعيد صوغها بشكل حداثوى ، أكثر وعياً،وتحديداً؛ بصدق يشى بأننا أمام شاعر تغايرى، شاعر يجيد انتضام عقد القصيدة / النص / البردية، قصيدة المعنى الجديدة؛وكأننا أمام اعادة انتاجية للمثيولوجيا الفرعونية في شكل عصرى، يقول في قصيدته” شماتة الكائنات” –والتي تحمل اسم العنوان للديوان الجميل الذى بين أيدينا 🙁 إلهي.. /لا تُشمِتْ بي الرّيحَ/التي أجرَيْتَها منذ بدأتَ الخلق/ولا تجعلنّ العصافيرَ التي/خبَّأتَها قبل خمسين سنةً/في القصائدِ تهزأ بي،/وأنا حبيسُ حواسّي/ولا تهنّي أمام عشبِ الملذّات/مثلما سكرتُ وقتها،/مرةً واحدة،/وأنا أنقّي لوزةَ القطن/من دودِ الظهيرة../أقولُها قبل أن تطمسَ العتمةُ /جدولَ النّورِ الذي يمرُّ بي/ صباحَ مساء .. ) .

إنها ” أنشودة المعنى ” عبر فضاءات البوح، والمعنى المخبأ خلف ظاهر الشعرية، وكأنه يعتمد تقنيات الشعر الروائى / أو القصة الشعرية – لا القصة الشاعرة – ليعيد انتاجية التاريخ عبر المثيولوجيا، وعبر تنامى شعرية المعنى، عبر ” الخطاب الشعرى ” وتلك – كما أزعم – من أخص خصائص قصيدة المعنى الجديدة، التى تستدعى ما بعديات الحداثة لتعيد انتاجيتها في قالب تراثى، وتاريخى، فهى تجسد الهوية، والشخصية، وتعبر بالمعنى إلى آفاق وحقول دلالية غاية في السموق والإدهاش، وتعتمد ” البلاغة الجديدة” : ” بلاغة المعنى السياقى للجملة وتداعياتها، وتعالقاتها، وتقارنيتها، وادهاشيتها، لخلق معانٍ موازية، احالية، تنتجها ” دلالات الإزاحة ” عبر المعنى التوالدى/ التواشجى / الجديد .

ولنا ان نتأمل ” منمنمات المعنى الصوفى ” المتشظى عبر لغة تتموسق؛ وتعيد انتاجات دلالاتها الجديدة: عبر الإستدلال، والتوالد، وعبر مفارقات مسروديات الحكاية الشعرية، والتي اعتمدت التدوير كوسيلة لتراسل الحواس، واستكناه جماليات المعنى المختفى خلف ظاهر المعنى الظاهرى، وتلك لعمرى تقنيات استفادت من الرواية الجديدة حداثوياً ، ووضعتها في قالب شعرى أثير، مغاير، يقول : ( إلهي.. /لا تُشمِتْ بي الليلَ /ولا تجعلْن كائناتِ الظّلام/التي سحقتُها قبلَ خمسين /تفرُّ من قبضَةِ الشّيخِ/الذي إنْ مشَى،/يحُطه الماء/وإنْ أبصرَ/ينم الضوءُ/وإنْ تكلّمَ /يهرم الوحي/كُنْ صَبُورًا عليَّ،/وعلى روحي،/ فأنا تخلّفتُ عن بصيرتي/التي أوجدتها لي/مثل المفتونِ بجسدِ اللامعقول/والمكروبِ برؤيا اللامنظور/الظامئِ من كأسِ اللامخمور/فقد مشيت قبل/خمسين/مثلَ أيوبٍ، وهو يرعى/شموخَ الزمانِ والمكانِ في الشِّعر/جاءَهُ الهواءُ البصيرُ/والحواسُّ العَصِيَّة/إنه يجلسُ الآن في الليلِ الأبَدِيّ/وفي النهارِ الأزَلِيّ/لا يحتملُ النُّورَ) .

غنها القصيدة الكونية الجديدة التى يأسطر لها عبر المثيولوجيا فضاءات مغايرة عن قصيدة النثر؛ أو هى أحد الأشكال المستحدثة لها، لكنها تتغاير عنها كذلك، فهى خارج تصنيفات النقاد؛ لكنها – كما أرى – احدى الأشكال ما بعد حداثوية،لإنتاج الدلالة المستعاضة عبر التأويل، وتناشدية اشراك القارىء – طوال الوقت – عبر مثيولوجيا التصوف الذاتى، واليقين الذى يبحث عنه عبر ” خطاب الإله”/ الخالق؛ فهى قصيدة التماهى في الكونى عبر السديمى والفيزيقى للوصول إلى جوهر الحقيقة الكونية ، والإنسان قبل أن تشكله الطبيعة ، وتغزوه بحداثويتها، وقصدياتها، وقيمها الجديدة كذلك، اى إنها قصائد الفطرة الأولى عبر الذات والكون والخالق والحياة .

وفى قصائده المتتابعة نلمح معادلة : ” الخالق والصانع ” ، او الأسئلة الجوهرية للذات عبر فلسفات الوجود، كما نلمح صوفية ذاتية، او نزوع نحو الإيمان والتسليم بالأقدار، وقدرة الخالق، لكنه يماهى بالتضاد والمقابلة، وبالجناس، والطباق، وبأدوات البلاغة التركيبية ليعيد رصف بناء الجملة التى لا تعتمد التراتب، ولا يهمها هارمونية ممتد، فهو يعتمد التشظى للمعنى، والإنتقال عبر الإلتفات من معنى إلى معنى، ومن صورة إلى موقف مغاير، وكأنه يكسر تراتبية المعنى ليحدث التوتر في القصيدة، يقول : (الحياة حلوةٌ،/مرة،/خطوتي .. دهرٌ/وصوتي .. سياج من الصمت /أشتهي أن أقول

/” أنا”/قالت سيدةٌ لي/هل تقفز من خمر يدي/في الهواء /يقول الصبي../ ما هذا الفزغ العظيم/كان ينام على سدرة الظمأ/يقرأ اسم البحر ../أَشتهي الحياة/ لي سرابٌ هاجع/ ولي سيدة في الشعر/تمنحني فاتحة الخوف/ما هذا الفزع العظيم). ولعلنا هنا نلمح انتقال المشاهد، وتبادلية الأمكنة، واختلاف الصوت الشعرى عبر انتقالات الأنا والهى، والحياة، ثم الرجوع إلى الذات عبر الفزع، وتلك لعمرى نابعة من عدم تراتبية لدى الشاعر والتي تحيلنا إلى علم النفس، أو الذات المتوترة الحالمة المندغمة في هيولى الكون، والأبستمولوجيا الكونية، وهى تستدعى القيامة / الفزع العظيم، الخوف النفسى، كما ستدعى الرمز، والصورة الجمالية في سدرة الظمأ، فاتحة الخوف، خمر السيدة / اليقظة / الحلم ؛ وتلك لعمرى مثاقفات الإحالة عبر المثيولوجيا الدينية، وصناعة أسطورة الذات وعلاقتها بالنشأة الأولى / الفطرة الأبدية المشتهاة .

ولعلنا نلمح هنا تشكلات ” قصيدة الصورة ” عبر انتقالات المشاهد، وكانه فيلم سينمائى، او مواقف متتابعة يستدعيها ” الهطول الفيزيائى للشعر الجديد “، فنلمح غياب الزمان ، خفوتهن وليس انتفائه، وتيقظ الوعى لدى الشاعر، عبر انتقالات الذات التى تدلل إلى توتر نفسى، ومحاولة للتفلت من الوجود المادى إلى الوجود الروحى/ ومن الذاتى إلى الكونى، والأسطورى، يقول 🙁 يقول أبي:/اللغات كانت تحب الأصيل/والفارس يركب الشمس/عوى الذ ئب في القلب/وسد مارد طريقي/وجنيةُ البحر حملتني / مشيت على الثلج/وأيقظت القمح ) . أن هذه الصور الفيزيائية الحسية تشى بمدلولات متغايرة، ورغم عدم انتضامها سياقياً ، إلا انها تحمل مضمونيات التناثر/ التشظى/ والهروب من المركزيات إلى الماهيات، فهو هنا يستدعى المسيح الذى مشى على الماء، والأنبياء والرسل، كما ستدعى المثيولوجيا عبر المشى على الثلج، وايقاظ القمح دلالة إلى طلوح الشمس، وكل تلك المعانى – يستدعيها خطاب التأويل لدينا – لكنها تبقى كامنة خلف أطر المثيولوجيا، واللغة الثالثة الموجود خلف الظلال والمعانى، أو الصورة وظلالات اللوان عبر التشكيلات اللغوية للمعانى، وترميزات اللغة التى تحيلنا إلى مواقف نتأولها، ونتشارك معها في صنع دلالاتها الإحالية المتضمنة عبر المعنى المختفى خلف ظاهر سياق المعنى الجديد، وتلك لعمرى أهم خصيصات المابعد حداثة الشاعرة .

ولعلنا ندلل – عبر قصائده – إلى صدق استنتاجاتنا، وفروضياتنا عن تلك القصيدة البكر، التى تتعامل مع المعطى الحياتى بالنشأة الأولى، وتخليق الخلق، وعلاقة الصانع / المبدع بالحياة، فهو شبيه الخالق، لا الخالق، وهو الذى يصنع عجينة الدهشة لإستنطاق دوال اللغة السيمولوجية، ومدلولاتها الإحالية/ لا التناظرية، وإلا وسمنها – بما ليس فيه- أو ليجد في شعره المتعصبون ضالتهم في تقديمه للقضاء الشعرى، ولكنها فنية الشعر التى تصنع مخيالاً – لا تناظرياً ، ولا تقارنياً- على حد قول سوزان سونتاج ؛ بل هو يصنع عالمه كصانع للجمال، لا خالق يناظر الإله كذلك، يقول : (كانت أسماء ابنتي – الآن – /تخرج لى من حدائق الصراخ/عروسة؛ ساعة أن

أعبر البحر/أشيد بيتا لها من الرمل /أنام فوق سرري/ثم أنفخ فيه/فيصير بإذني بيتا / من اللحم والعظم /أشتهي وأنا على عرش/من القش /أن أشهد الفزع العظيم /خذوا حذركم أيها البلاغيون،/وخذ حذرك أيها الطير/وأنت أيتها الأرض

الحياة حلوةٌ؛/مرةٌ؛ ) . فالشاعر هنا أراد تشييد ” يوتوبيا في الرمال ” – على حد قصيدة نازك الملائكة- أو أنه يريد صنه المدينة الفاضلة التى أرادها أفلاطون؛ إلا أنها مدينة هشة – مدينة بقلب ” وليست مدينة بلا قلب على حد ديوان أحمد عبدالمعطى حجازى ؛ فملك الشاعر على قش؛ ولقد وجدنا ” يقظة الشاعر ” – هنا – فهو يحذر البلاغيين والطير والأرض لكى لا يظلموه، فهى رؤيوية شاعر يرى الحياة على النقيضين موزعة بين لونين : السواد والعتمة، والحلو والمر، وتداعيتهما، فقد ترك لنا ” الفاصلة المنقوطة: ليدلل إلى استمرارية المعانى ، وهنا يعى الشاعر دلالات المعنى، ومرموزات ودوال الإشاريات التى يستدعيها علم الإملاء” لتشكل الفاصلة ” ديمومة ممتدة للوجود والعالم والكون والحياة .

أن الديوان يحتاج منا إلى الكثير لنبرز مقومات، ونكشف عن جوهره، ومكامن التخالفات، والتناظرات، واختلاف القصائد عن الشعر المنثور، وعن قصيدة النثر، بما يفتح المجال ” لقصيدة المعنى ” – التى أتغيّاها – كبديل يتوسط بين الإجناسيات، أو هى أحد أشكال قصيدة النثر ولكن بشكل أكثر حداثوية كذلك، وليتفق معى النقاد، أو يختلفوا كذلك، فلازال الشاعر والناقد يتغيَّان ِما بعد حداثة تلاحق التطور التقنى والرقمى لتساوق معادلات التجديد والحداثة وما بعدياتها ، عبر الكون الممتد، وعبر العالم والحياة .

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى