حوارات و تقارير

مصادر المياه القديمة بسيناء.. نبض الحياة في قلب الصخور

"العين.. العِدّ.. الثميلة.. المشاش.. السد.. المكراع.. الهرابة» وسائل جمع وتخزين المياه من الأمطار

محمود حسن الشوربجي

 

تبقى المياه عزيزة في الصحراء، والبحث عنها واستخراجها بمثابة البحث عن الحياة نفسها، لذا تفنن البدو وسكان الصحاري في استخراج المياه بعدة طرق مستخدمين آلات مختلفة، تختلف بتطور الزمن.. وأهل البادية بسيناء وتحديدا العرايشية يطلقون مصطلحات قديمة معروفة في هذا الشأن نذكر منها :”العين” وجمعها عيون، وهي نبع ماء من المياه الجوفية تظل مياهه تسيل على سطح الأرض طوال العام.

وفي سيناء كثير من هذه العيون، وغالباً ما تنسب أسماء الأودية في سيناء بأسماء العيون التي تسيل فيها فيقال: وادي موسى أو وادي العين أو غير ذلك من أسماء .

ويعرف أيضاً بـ”الينبوع” وجمعه ينابيع ، وهي ينابيع سَهْل تنبثق من خطّ واحد، وتنشأ من المياه المتسرِّبة من الجبال التي تحيط بالسَّهل.

 

وكذلك بمنطقة القسيمة والتي توجد بها عين طبيعية يتدفق منها الماء من أعلى قمة جبل تسمى «عين القديرات»، لها قصة تاريخية يرددها أبناء القبائل البدوية جيلا بعد جيل ، وسيأتي ذكرها تفصيلاً .

“العِدّ” وهو مفرد عدود ، وهو نبع ماء حي في حفرة “وتعرف الحفرة لديهم بالجورة” ومياهه ثابتة لا تجري على سطح الأرض ، وعرف قديماً لدى سكان سيناء بالثمد.

 

“الثميلة” وجمعها ثمايل ، وهي مكان الماء المدفون في أرض السيل وعند الحفر يخرج منها الماء ، وعمق الحفرة من نصف المتر إلى المتر، وعرضها وطولها يتفاوت حسب سرعة تجمع المياه داخلها، وتعرف لديهم بالثميلة، وبعد حفرها بثوان تمتلئ بالماء النقي الصافي ، وهذا إذا ما كان المطر غزيراً جداً في فصل الشتاء، وتجف في فصل الصيف.

“المشاش” وتعرف بالثميلة الضعيفة لأنها تجف في الشتاء قبل الثميلة ، وتجف بالكامل في فصل الصيف .

“السد” وجمعها سدود ، وبعض العامة يؤنثونه ويطلقون عليه (سدَّة) وجمعها (سدَّات) ، وهو حاجز صغير من الرمال أو البناء وارتفاعه من ثلاثة أمتار إلى عشرة أمتار وسمكه بضعة أمتار وكلما كان سمكه أكبر كلما كان سداً منيعاً لمواجهة السيول وبذلك يكون أقل عرضة للانهيار بسهولة ، أما إذا كان سمكه ضعيفاً أو رفيعاً فإن مياه السيول تجرفه وتحطمه ، ويتم بناؤه من الأحجار الغشيمة في مجرى الوادي لحجز مياه الأمطار للتخفيف من حدة تدفق المياه أثناء سيل الوادي، ويحافظ السد على مياهه لمدة زمنية طويلة قد تصل إلى بضع أسابيع لاستخدامها في الزراعة وسقي المواشي والإبل.

وهناك مصطلح آخر يعرف بـ”الصُّنع” وهو سد صغير صناعي من الرمال ، يحفرونه في مجرى السيل لجمع مياه الأمطار.

“المكراع” وهي بركة طبيعية تتجمع فيها مياه الأمطار، وتوجد بين الصخور والجبال .

“الهرابة” وهي بركة صناعية يحفرونها في مجرى السيل لتخزين مياه الأمطار ، ويبلغ عمقها من ثمانية إلى عشرة أمتار أو أكثر ، وفتحتها دائرية الشكل ملفوفة ومبنية من الحجارة الغشيمة أو الصوان ، وتتسع من جوانبها من جميع الاتجاهات لتصبح عريضة وعميقة ، ليتجمع فيها عشرات الأمتار المكعبة من الماء التي تكفي احتياج المزارعين طوال فصل الصيف.

أما مقياس عمق الهرابة فكانوا يقيسونها بقامة الإنسان (والقامة الواحدة تعادل 180 سنتيمترا تقريبا) ، فإذا ما قاموا بقياس عمق الهرابة قالوا هذه الهرابة عمقها أكثر من ثمانية قامات أي أربعة عشر متراً ونصف بالمفهوم أو الحساب الحالي .

هذا ويحفرون الهرابة في المناطق أو الأماكن المنخفضة لتنحدر إليها مياه الأمطار والسيول من الأعلى، ويعدون لها قنوات صغيرة تسمح بدخول الماء إليها حتى مصرف الهرابة وتعرف لديهم بالقنَّى وبالعامية (جَنَا) ونطقها حرف الجيم عادي وليس معطَّشا.

وإذا ما قارب الصيف على الانتهاء تقل مياهها وتنحسر في الأطراف وتصبح قليلة وعكرة ليضطر المزارع أو المار أن يلوح بدلوه إلى مكان تجمع المياه ليمتلئ ربع الدلو أو نصفه من المياه العكرة المخلوطة بطين رماديّ اللون.

هذا وكان كل صاحب مزرعة من المواشي أو الأشجار بالقرب من مجرى السيل يحفر له هرابة خاصة به أو أكثر لكي يسقي منها مواشيه وأغنامه ، وأيضاً لزراعاته.

“البئر” جمعها آبار، وتعرف لدى العامة بـ “البير” وهي تشبه الهرابة ولكنهم يحفرونها في الأرض عميقة إلى أن تصل إلى المياه الجوفية أو ماء العِدّ ، وهو الماء الدائم الذي يخرج من جوف الأرض ولا ينقطع، ويصل عمق البئر إلى عشرات الأمتار داخل الأرض مما يجعل صعوبة أحياناً في انتشال المياه من داخلها ، وكان البعض قديماً يستخدم الإبل لانتشال المياه بالدلو الكبير والثقيل الذي يصعب للفرد حمله بمفرده، فيدلونه في عمق البئر لتسحبه الإبل إلى أعلى ليفرغونه في حوض بجانب البئر صغير مبني من الطوب الأسمنتي، ويعرف هذا الحوض لديهم بمسقى الماشية والأغنام ، وهكذا حتى يشرب جميع إبلهم وأغنامهم .

والفرق بين الهرابة والبئر هو أن البئر يحفرونها حتى يصلوا إلى العِدّ وهي المياه الجوفية، أما الهرابة فتحفر لخزن مياه الأمطار ليس أكثر.

 

“النَّقْع” وهو بقعة منخفضة من الأرض تستقر فيها مياه الأمطار والسيول لعدة أيام ثم تجف وهذا إذا كانت الأرض رملية ، أما إذا كانت صخرية فإن الماء يستقر بها لفترة أطول، وسبب تسميته بهذا الاسم لأن الماء يستقر فيه ناقعاً لعدة أيام بعد هطول الأمطار .

“الغدير” وجمعه غُدران، وهو مستنقع منخفض من الماء في وادٍ متسع عرضهُ وأرضيته صخرية ، وتركد فيه المياه فترة طويلة تدوم لعدة أسابيع وأحياناً لعدة شهور، وغالباً تكون مياهه نقية ونظيفة وصالحة للشرب حيث يمكن رؤية الصخور التي تقع أسفل الماء واضحة جلية ، وهذا يدل على صفائها ونقائها، هذا وكان النساء يملأن جرارهن منه، ويأتي إليه الرعاة بمواشيهم لتشرب منه في ساعات الظهيرة ، وقيل إذا كانت مياه الغدير على عمق شِبْرٍ من الأرض فهي طاهرة، أما إذا كانت دون ذلك فهي غير طاهرة، ولهم مثل في ذلك يقول:«شِبْر من الماء يطهر». وكان الصبية الصغار حينما يعطشون وهم يرعون أغنامهم يقيسون بأصابعهم الصغيرة مياه الغدير ليبرروا لأنفسهم أنها تصلح للشرب ، ويشربون منها حتى لوكان عمقها أقل من شبر واحد.

“الصِّنْع” وجمعه أصناع، وهي حفرة صغيرة وغير عميقة يصل عمقها إلى نصف المتر فتمتلئ بمياه الأمطار وبعد استقرار المياه فيها بساعات يشربون منها ، وحينما قمت بزيارة إحدى الواحات بسيناء رأيت في المناطق الصخرية تجويفات منخفضة ممتلئة بالمياه النقية وكان أحد الصبية الصغار يشرب منها فاتجهت إليه وسألته باستغراب عن شربه من هذه المياه ، وردَّ قائلا هذه مياه المطر صافية وبرر لي بإشارة بإصبعه نحو الصخور الواضحة الجلية تحت الماء التي تدل على أنها طاهرة وصالحة، والصبية يطلقون عليها (صِنْعاً).

“الحمَّام” وهو نبع كبريتي يخرج من أسفل الجبل يعرف بالحمَّام ، ودرجة حرارته عالية ، قيل أنه يحتوي على عناصر الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والسليكون والأملاح المذابة، هذا ويوجد بشبه جزيرة سيناء نبعان كبريتيان فقط ويقعان على شاطئ خليج السويس وهما حمام موسى وحمام فرعون ، وقد سبق ذكرهما تفصيلاً .

“الغْراب” هو محطة المياه التى يتم ملء فناطيس السيارات منها لنقلها إلى أماكن أخرى قد تستخدم للشرب أو للأغراض الصناعية .

“البِرْكَة” وجمعها (بِرَك) ، وهي مكان طبيعي كبير ومتسع يحاط بحاجز ضخم من الرمال تتجمع فيها مياه الأمطار ومياه السيول وأحياناً تصب فيها السيول ، وقد تستقر فيها المياه طوال فصل الصيف فيأتي إليها الرعاة بالمواشي والإبل في فترة القيلولة لتشرب إبلهم من المياه الراكدة وتأكل من غابة الأعشاب البرية التي تحيط بالبركة ، ويستغل الرعاة الفرصة في هذا الوقت ويقيلون بجانبها عدة ساعات تحت ظل إحدى الأشجار الكبيرة إلى أن تأتي فترة العصر ليعودوا إلى أماكنهم ومراعيهم .

“السَبيل” وهي بئر صغيرة كانوا يحفرونها في الأرض، ويقومون ببنائها على جانب الطرق المشهورة التي يمر منها المارة أو عابرو السبيل ، كعمل من أعمال الخير أو كصدقة جارية ، ثم يملأونها بالماء ويتركون دلواً عندها لمن يريد أن يشرب من عابري السبيل ، كما يبنون بجانبها حوضاً صغيراً لمن يريد أن يسقي بهيمته أيضاً . وللسبيل علامة مميزة لديهم بأن يعتليه نصف قبة صغيرة فوق فوَّهته لحفظ ماء السبيل من التبخر ، كما يظل الماء فيه بارداً ومنعشاً ، وينحتون على جدران البئر كلمات تدل على أن المياه هنا سبيل كعلامة للأغراب أو المغتربين.

 

أما عن المصادر الحديثة للمياه بسيناء فهي :”الخزان” ويعرف أيضاً بـ (الحاووز) ، وهو قصر أو برج مائي مرتفع لجمع المياه لتوزيعها على المنازل بضغط مناسب ، وكلمة حاووز مأخوذة عن اللهجة التركية ، ومصدرها من كلمة “الحوض” في اللغة العربية وكانوا ينطقونها (الحاوظ) أو (الحاوز) ويكتبونها (الحاۋز) حيث يضعون ثلاث نقاط على حرف الواو، وأخذ سكان سيناء هذه الكلمة أو المصطلح عن التركية في عهد العثمانيين فصارت (الحاووز) .

 

ومن الممكن أن يكون مشتقاً من العربية من فعل “حاز” أي “مَلَك” أو “ضَمَّ” وعلى هذا يكون “حاووز الماء” هو المكان الذي يجمع ويحوز الماء أو مكان حيازة الماء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى