حوارات و تقارير

قبيلة اللوزى بزامبيا.. لا يعترفون بالدولة ولا يدينون بالديانات الرسمية ومعبودهم «مثيولوجى»

الحياة على ظهر عنكبوت

أحمد كمال إبراهيم

 

تتعدد الحكايات المثيولوجية، والتاريخية فى القرن الإفريقى، خاصة فى جنوب إفريقيا، حيث تكثر الأساطير والخرافات، ويدين كثير من القبائل بديانات وثنية قديمة، ومعبودات توارثوها، ولا يزالون غير قادرين على تغييرها حتى الآن، كم أننا نلاحظ أن المجتمعات التى عاشت على ضفاف “نهر النيل”، والأنهار لها طقوس ومعبودات خاصة، وقد رأينا ذلك لدى طقوس المصريين القدماء ومعبوداتهم، وأساطيرهم.. وهنا فى “زامبيا” وجدنا الكثير من التشابه، بما يعكس أفراح النهر الذى ارتبطوا فيه بمواسم الفيضان، كما أن هناك الصحراء التى تنتشر فيها حرفة صيد الغزلان، والصقور الإفريقية الشهيرة، وحيوانات الصحراء المتعددة، ولأن ” إفريقيا” ارتبطت فى المثيولوجيا، وفى كتب القدماء بأنها “أرض الأفيال” ؛ وجدنا طقوساً مشابهة، ومتغايرة، وقصصاً وحكايات، وعادات وتقاليد اختلفت بيئاتها من مكان إلى مكان، لكن القبائل فى “زامبيا” احتفظت بعاداتها وتقاليدها القديمة، ومن هذه القبائل ” قبيلة اللوزيين “.

 

ولكى يكون موضوعنا أكثر ثراء، يجب إلقاء نبذة تاريخية على “جمهورية زامبيا” كى نتلمس بعض مظاهر الطقوس الشعبية، والعادات والتقاليد، والمعتقدات الدينية، وغيرها .

 

وبنظرة مجملة؛ فإن “جمهورية زامبيا” تقع في جنوب القارة الأفريقية وعاصمتها ” لوساكا”؛ وقد انتشر بها الإسلام إلى جانب الديانات والعبادات الأخرى، فقد وصل الإسلام إليها في القرن الرابع في حكم ” الشيرازيين ” وتم بناء المساجد حتى منطقة مالاوى .لكن الديانة المسيحية هى الغالبة هناك.

وفى زامبيا أو “مملكة روديسيا الشمالية”، كما كان يطلق عليها فى السابق وجدنا تعدد القبائل وتنوعها، فالمسلمون هناك يمارسون طقوسهم الدينية فى أمان إلى جانب المسيحيين؛ وفى شهر رمضان المبارك يحرص المسلمون على قضاء أغلب أوقاتهم فى المساجد للصلاة والعبادة، والمحافظة على صلاة التراويح، التى يحرصون فيها على وجود الأطفال وتوزيع الحلوى عليهم أثناء صلاتهم؛ ويفطر المسلمون على السوائل، وطبق «الجولاف»، وهو عبارة عن طبق من الأرز مضافا إليه أنواع مختلفة من التوابل والخضراوات؛ وهم قلة هناك ولا يجاوزون 5% من عدد السكان .

 

وتنتشر القبائل الكثيرة فى أنحاء زامبيا، ومن أشهر هذه القبائل قبيلة ” اللوزى” فهم لا يعتدون بكون زامبيا جمهورية، ولا يدينون بالديانات التى تنتشر فى الجمهورية؛ بل لهم معبودهم المثيولوجى، عبر أساطير الأجداد؛ كما يعتبرون أنفسهم ملوك زامبيا، فلهم ملك أو ملكة، ولهم عاداتهم وتقاليدهم التى تختلف عن عادات أهل “لوساكا” فى العاصمة ؛ ويعيش “اللوزيون” على ضفتى “نهر زامبيزي”، حيث يحكمهم “ملك زامبيا الكبير”، الذى له ملك كل شىء، ويسمح لشعبه بالزراعة والصيد، ويأخذ منهم حصة آخر العام؛ وهم شعوب تحكمهم الخرافة، ويعيشون على الأساطير؛ ومنها : “أن نيامبي” إله الشمس” وزوجته ناسيليلي “القمر” قفز من السماء على عنكبوت وعند وصوله إلى الأرض قام بطعن عيون العنكبوت ومع رحيله مرة أخرى إلى السماء اعتقد الناس أن نيامبي عاش بين النجوم التي أثر فيها على حياتهم وموتهم.؛ ولهذا السبب قبل أعوام الحصاد والجفاف والمرض؛ يأتى اللوزيون إلى مقر المعبود “نيامبى” فيشرعون بذورهم ويضعونها أمامه كى تعم عليها البركة؛ ويركع الكاهن ومن ورائه شعب اللوزى تقديساً للمعبود عدة مرات لتحل بركته على المحصول، وكأنه إله الخصب والنماء لدى المصريين القدماء .

ومملكة اللوزى تحكمها طبقية شديدة، فهناك الملك والأمراء، ومستشار الملك، الذى يوجه أمور المملكة – وهناك طبقة العمال والعبيد ، وهم – حتى الآن– لا يخضعون إلى نظام زامبيا الرسمى فلهم علم خاص بالمملكة، ولهم عاصمة هي مدينة مونغو، كما أنهم يتكلمون لغة أقرب إلى لغة ” البانتو” ؛ وهى خليط من لهجات بلاد النيجر، وغيرها، ولهم عملة خاصة، وتكثر الحكايات على ضفتى النهر؛ ويتم تربية الحيوانات، ويزرعون ما يكفيهم من مؤنة طوال العام، ويحتفلون كل عام بعيد الحصاد؛ وعيد الفيضان .

 

أما عن الطعام فأهم غذاء رئيسي هناك هو العجين أو “العصيدة”، وهي مصنوعة من دقيق الذرة أو الكاسافا، وعادة ما تؤكل مع الحساء أو الخضراوات أو قطع اللحم المصنوعة من الأسماك ، والبطاطا الحلوة والفول السوداني ؛ وفى مراسم الزواج تتم خطبة الفتاة وهى صغيرة فإذا ما كبرت ونضجت تتم مراسيم الزواج الرسمية، وتنتقل الفتاة إلى بيت الزوج، أو إلى قرية والدها؛ وكل طبقة تتزوج من نفسها، فلا تجوز للأميرات الزواج من الطبقات الأخرى، وكذلك العكس .

 

وعلى النهر تنتشر الحكايات، ويكثر الغناء والطرب بحسب البيئة، كما يحظر الزواج من الأقارب وأبناء العمومة حتى الدرجة الثالثة، فإذا خالف أحدهم ذلك فإنه يُمنع طلاقها إلى الأبد، ولا يمارس رجال القبيلة تعدد الزوجات إلا في النادر، فإذا تزوج تكون للزوجة الأولى حق توزيع الطعام على الزوجات، كما أن لكل منهن مسكن خاص بها .

 

مهرجان كيومبوكا

ويقيم اللوزيون مهرجاناً شعبياً كل عام في شهرى مارس وأبريل ويسمونه ” كيومبوكا” ويعنى ” مهرجان الخروج من الماء “؛ أى انتهاء موسم الأمطار، وهناك” العيد الشعبى الكبير لتنزانيا ” ويسمى بالاحتفال الملكى الكبير؛ عندما يفيض نهر “زاميرى” ويتم الإعلان عن الاحتفال قبل ذلك بيوم من حضور الملك حيث تنطلق الأبواق، ويلبس 120 رجلاً ملابس النمور ، واضعين على رءوسهم قبعات حمراء وبيضاء، بلون العلم فى المملكة، ثم يركبون الزوارق الملكية وهم يقرعون طبول “موما” الملكية الكبيرة؛ ثم يركبون الزوارق المصنوعة من شجر الموز، ويسيرون في النهر إعلاناً بأن الغد هو يوم “عيد الاحتفال بالنهر”، ويجىء الملك في اليوم الثانى محمولاً على مركب ملكى ذي طلاء باللونين الأسود والأبيض، وهما لونا علم زامبيا ويشيران إلى الليل والنهار، ويكون محمولاً وحوله مجسمٌ لفيل كبير، ويحيط بالموكب الملكى الدخان والبخور دلالة على قدوم الملك، حيث يحتقلون بأغان ورقصات، ويرتلون الأهازيج الجميلة للمعبود “نيامبى”، الذى أمر قديما عندما جاء الفيضان الكبير ببناء زورق كبير لإنقاذ الناس من الغرق عبر الفيضان.

وتتعدد العبادات لدى مملكة اللوزيين فمن عبادة “نيامبى” إلى عبادة “المقبرة الملكية”، “عبادة السلف “؛ وهم يتعبدون بالصلاة والركوع وذبح الأضاحى قرباناً إلى الآلهة، وصلواتهم على شكل “رقصات جماعية” وأغانٍ ، وأهازيج تنشد لاسترضاء الآلهة، ولجلب الخير عليهم ؛ وعلى النهر العظيم.

وللوفاة طقوس غريبة يمارسونها حيث إن هناك مكان مخصص كمدفن صغير، ويتم فتح المكان، ويحفر له حفرة عميقة، يتم فتح فم وعين المتوفى، ودفن متعلقاته الشخصية معه، مع دفن نحلة يتم قتلها بالسكتة الدماغية لتدفن معه، أو توضع صفيحة، أو أى شىء ميت معه، كقرين للموت؛ ثم تحضر النساء لمشاهدة عمق حفرة القبر، ويتم دفنه من قبل أقاربه ووضع الأغصان الخضراء داخل المقبرة تيمنا بحياة جديدة خضراء زاهية للمتوفى، ثم تنتهى المراسم فيعودون لإقامة مراسم العزاء، ويلبس أهل المتوفى عباءات من الجلود مصنوعة لمثل هذه المراسم، ويأتى الجميع لمواساتهم في حزنهم على المتوفى، وبعد سبعة أيام يتم تنزيل سقف الكوخ على المتوفى، ويتم حرق باقى متعلقاته الشخصية كى لا تظهر روحه في المدينة ، أو كى لا ينتشر شبحه في المنزل.

 

وشعب مملكة اللوزى يعتمد اعتماداً كلياً على صيد الأسماك والزراعة، ويزرعون الدخان، الكاسافا ،الذرة الرفيعة، الفول السوداني والبطاطا والبقول والبطيخ، كما يربون المواشى والماعز والأغنام، والدجاج والطيور؛ ويعتمدون في طعامهم الأساسى على تلك المحاصيل، وعلى صيد الأسماك من النهر العظيم.

إنها حياة تبدو بدائية؛ لكنها توحى بالحياة الجميلة، حيث ضفاف النهر؛ وقصص العشاق على ضوء النهر الممتد، وتلك عادات يمارسونها بشكل طبيعى، فالإنسان هو الإنسان؛ في أى زمان ومكان؛ عبر الكون والعالم والحياة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى