كتابنا

د. حسن أحمد حسن يكتب :لماذا التركيز على الهوية الطائفية في الخطاب «الإسرائيلي»؟

د. حسن أحمد حسن يكتب :لماذا التركيز على الهوية الطائفية في الخطاب «الإسرائيلي»؟

 

من تابع خطاب المندوب الإسرائيلي في مجلس الأمن، وغيره من المسؤولين الإسرائيليين في الأسبوعين الماضيين يظن أنه أمام حالة جديدة انتقلت فيها تل أبيب من المجرم القاتل ومصاص دماء الأبرياء والوحش المنفلت من كلّ عقال إلى الحمل الوديع المسالم الحريص على ما أسموه المصالح العليا لــ “الدول العربية السنية” وتصوير إيران وحركات المقاومة على أنها العدو الأخطر لجميع دول المنطقة، وقد تصل الحال بالمتابع العادي إلى فرك عينيه وحكّ أذنيه وقرص جلده ليتأكد أنه في حالة يقظة أم منام. وسرعان ما انتقلت عدوى حمى تعميم الطائفية المقيتة إلى الدراسات والتحليلات التي اكتظت بها وسائل الإعلام الصهيونية وانتشرت كالنار في الهشيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتوهين من بأس من أذلّ الكيان وأرغم متزعّميه على ابتلاع ألسنتهم جزئياً أو كلياً على غير العادة بعد تلقي الصفعة الإيرانية في الرابع عشر من نيسان، والتي أدت إلى انزياح واضح في الفك السفلي الإسرائيلي وهبوط في الأجفان زاد من تكريسه الردّ الهش بثلاث طائرات مُسيّرة أُرسلت عبر وكلاء وأتباع باتجاه مدينة أصفهان فتهاوت كالفراش الضعيف واحترقت قبل الوصول إلى مصدر النور والإشعاع. وهذا هو الأمر الطبيعي المتوقع، فلا طاقة لضعف التزوير والدجل واختلاق بطولات وهميّة من الاقتراب أو الدنو من شمس سطعت وانتشرت أحزمتها الضوئية لتعمّ المنطقة وتثبت أنّ الكيان الإسرائيلي بكليته سيرورة وواقع حال لا يمكنه الاستمرار بعوامل ذاتية داخلية، بل بالعامل الخارجي، وبخاصة تبني الإدارات الأميركية المتعاقبة جمهورية كانت أم ديمقراطية لهذا الكيان اللقيط الذي كاد أن يلفظ أنفاسه، لولا مسارعة إدارة بايدن ووضعه على “المنفسة” لضمان استمرارية تنفسه الاصطناعي الذي لن يطول أمده، ولو استماتت مفاصل صنع القرار الأميركي المرتبطة بأذرع حكومة الظل العميقة، فالدور الوظيفيّ للكيان دخل زمن انتهاء الصلاحية والقدرة بآن معاً.

بالعودة إلى العزف الصهيوني على وتر الطائفية البغيض كان هناك سيل من المقالات والمقابلات والتصريحات التي أخذ الكتّاب الصهاينة على عاتقهم تعميمها، وعلى سبيل المثال لا الحصر صحيفة معاريف الإسرائيلية في عددها الصادر بتاريخ 21/4/2024 مقال بعنوان «الهجوم الإيراني أظهر أهمية تطبيع العلاقات مع السعودية» بقلم مقدّم الاحتياط عميت ياغور، وهو نائب سابق لرئيس الساحة الفلسطينية في شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي ومسؤول كبير سابق في المخابرات البحرية، وفيه يتحدّث عن النشاط الهجومي غير العادي الذي نفذته إيران في 14/4/2024م، ويصفه بأنه «لا يذكر بين الدول منذ الحرب العالمية الثانية»، ويضيف: «كنا جميعاً ضيوفاً للحظة في الحفلة التي مزقت فيها إيران والدول العربية الأقنعة التي كانوا يلبسونها، ولأول مرة يمكن اكتشاف تغيير جيوسياسي استراتيجي مهمّ في الشرق الأوسط». وهنا تظهر بوضوح عملية دسّ السمّ في الترياق عندما يؤكد أنّ الردّ الإيراني كشف (الخطر الكامن في إيران على المنطقة وعلى «إسرائيل»). ويضيف: (قدّمت لنا ليلة الصواريخ الإيرانية لمحة لمرة واحدة عن المصالح الحقيقية لجميع اللاعبين في المنطقة، وما هو النظام الإقليمي في الغد» الذي تطمح إليه الولايات المتحدة). وبخبث إعلامي مفضوح الأهداف يسوّق الكاتب الصهيوني قناعته الشخصية أو تمنياته على أنها واقع حقيقي قائم فيقول: (وجدت الدول العربية السنّية، التي لم تتوقف عن انتقاد «إسرائيل» بسبب معاملتها للفلسطينيين، نفسها مضطرة للتخلي لليلة واحدة عن القناع الفلسطيني الذي تبنته في الغرف الدبلوماسية، وقرّرت على الرغم من الحملة في غزة، الانضمام إلى الجهد العسكري ضدّ إيران)، وهنا يمكن الإشارة إلى بعض النقاط المهمة، ومنها:

*من الذي أعطى ذاك الصهيوني الحق في تقسيم الدول العربية إلى سنية وغير سنية؟ مع أن واقع الحال يؤكد أن جميع الدول تحتوي في تركيبتها الديمغرافية على خليط متنوع من المكونات الطائفية والإثنية، وما الحرص على تعميم المصطلح إلا لجعله جزءاً من طرائق التفكير المجتمعي في «الوعي الباطن» أي أنه جزء من الحرب على الوعي.

*طالما أن الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية انطلقت من البر الإيراني إلى داخل ما يسمّى «البطن الرخو» للكيان المؤقت نصرة لغزة ورداً على الإجرام الإسرائيلي باستهداف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، وكل ما تشهده المنطقة منذ السابع من تشرين الأول العام الماضي إنما هو لوقف حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين بعامة، وأهل غزة بخاصة، والسؤال الذي يفرض ذاته هنا هو: هل الغزاويون شيعة أم سنة؟ وهل من مصلحة ما أسماها «دولاً سنية» أن تواجه إيران التي تدعم حركات المقاومة ومن ضمنها مقاومة الفلسطينيين في غزة وهي سنية بالمطلق، أم ماذا؟ فعن أيّ دول سنية يتحدث لحسم الأمر والاصطفاف مع تل أبيب لمنع طهران من مساعدة المكون السني في غزة؟

*من هي الدول التي لم تتوقف عن انتقاد «إسرائيل» بسبب معاملتها للفلسطينيين؟ والعالم بكليته يدرك أنّ الدول المصطفة في الجانب الإسرائيلي لم تكن عبر عقود إلا كذلك، لا بل إن الجرأة الإيرانية والردّ الإيراني الذي مزج الحزم والحكمة يشكل رافعة موضوعية لجميع تلك الدول للتفكير الجدي بالخروج من تحت العباءة الصهيو ـــ أميركية التي تعدّدت ثقوبها واتسعت إلى درجة لم تعد تغطي ولا تمنح الدفء ولا الأمان، فالعاجز عن حماية ذاته هو أعجز عن حماية غيره.

*نزعة الفوقية والغطرسة ميزة ملازمة للخطاب الإسرائيلي حتى في حال الهزيمة، ففضلاً عن الكذب والدجل لا يتورّع الصهاينة عن إذلال من يدور في فلكهم علانية، وهذا ما تضمّنته المقالة المذكورة عندما أشار الكاتب إلى حكام تلك الدول بأنهم (يتشدّقون بالقضية الفلسطينية، ولكن في ظلّ وجود عدو مشترك، من الواضح أنهم سيتصرفون بالتعاون مع «إسرائيل» ضده، والمثال الأكثر وضوحاً على هذا الأمر هو الأردن). وتأبى الحقيقة إلا أن تظهر في كتابات أولئك القتلة حيث أشارت المقالة إلا أنّ الخطوة المستجدة لتلك الدول «السنية» تعكس (تغيّراً جيوسياسيا ًعميقاً وإمكانات جديدة ومتجددة وفرصاً لدولة «إسرائيل» على المستوى الاستراتيجي الإقليمي سواء تجاه إيران أو في قطاع غزة)، ويضيف الكاتب كاستنتاج وخلاصة مقترحه المتضمن أنه: (يتعيّن على «إسرائيل» أن تشنّ على الفور حملة دبلوماسية عالمية، بمساعدة الدول العربية السُنّية، ضدّ القدرات الصاروخية التقليدية التي تمتلكها إيران، والتي كادت أن تؤدي بالعالم إلى حرب إقليمية… الآن، وأكثر من أيّ وقت مضى، ومع الفهم الواضح بأنّ الصواريخ الإيرانية تهدّد أيضاً دول أوروبا، فإنّ الاهتمام الدولي بالأمر واضح واحتمالات النجاح أكبر من ذي قبل). والأمر ذاته شدد عليه الكاتب الإسرائيلي آري شافيت بتاريخ 15/4/2024م. في صحيفة يديعوت أحرونوت بمقالة عنوانها: «بعد الليلة التي التهمت كلّ الأوراق: يجب أن تبدأ الحرب من جديد».

*بعض الدراسات الصهيونية الأخرى ركزت على أنّ الردّ الإيراني أعاد التعاطف العالمي مع تل أبيب التي كادت أن تفقد حرارة ذاك التعاطف والتماهي، ومن حق المتابع العادي أن يتساءل: من هي الدولة أو المؤسسة أو المنظمة الدولية التي غيّرت ما سبق وأعلنته من رفض للعدوانية الصهيوني والإجرام غير المسبوق لسياسة تل أبيب؟ ومن المفيد هنا التذكير بأنه حضر إلى السفارة الإيرانية في موسكو منذ أيام قليلة ممثلون من ثمانين دولة، واستمعوا إلى شرح توضيحي عن طبيعة الردّ الإيراني، وكيف تمّ تنفيذ الضربة الجوابيّة على الكيان الصهيوني، والجميع أذهل من عبقريّة الفكر العسكريّ الإيرانيّ وقدرته على قيادة العملية تخطيطاً وتنفيذاً أذل حكام تل أبيب.

خلاصة: إذا كان ما يسوّقه الإعلام الإسرائيلي يرتكز إلى شيء من الحقيقة، فكيف يمكن تفسير تتالي تقديم الاستقالات أو الإعلان عنها كما حدث مع رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الذي أكد في بيان استقالته اعترافه بمسؤوليته الشخصية ومسؤولية الجهاز الذي يقوده عن الفشل الذي عصف بالكيان منذ السابع من تشرين الأول، وما تزال تداعياته تأتي متسارعة فرادى وجماعات؟ وماذا عن ازدياد التشرذم وحدة الانقسام في الداخل الإسرائيلي، بل وحتى ضمن «كابينت» الحرب بزعامة نتنياهو؟ والتساؤل الأهم: كم من الوقت تستطيع تل أبيب الحفاظ على وجود كيانها في مواجهة المقاومة الفلسطينية وحدها لو رفعت واشنطن وأتباعها غطاء الحماية والرعاية والدفاع عن هذا الكيان اللقيط؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى